سهيلة عبد الباعث الترجمان
703
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كذلك ينفي الجيلي فكرة الزمن بالنسبة لعملية الخلق والإيجاد من العدم ، إذ أن فكرة السبق بالعدم كما ذكرنا قد توحي بوجود فكرة الزمنية والخلق في الزمن ، كذلك القبل والبعد قد يستشعر منها التقديم والتأخير في الزمن ، فهو ينفي ذلك لأن الزمان عنده نسبي لا وجود له ، وأن القبل والبعد هي محض تصورات إنسانية لا واقع حقيقي لها ، وفيه يقول : " وقولنا حكم الوجود له ( أي اللّه ) قبل حكم الوجود لها ( أي المخلوقات ) ، فإن القبلية هنا قبلية حكمية أصلية لا زمانية ، لأنه سبحانه وتعالى له الوجود الأول لاستقلاله بنفسه ، والمخلوقات لها الوجود الثاني لاحتياجها إليه . . . ولا يقال يلزم من هذا جهله بها قبل إيجادها في علمه ، إذ ما ثمّ زمان ، وما ثمّ إلّا قبلية حكمية أوجبتها الألوهية لعزتها بنفسها واستغنائها في أوصافها عن العالمين ، فليس في وجودها في علمه وبين عدمها الأصلي زمان ، فيقال إنه كان يجهلها قبل إيجادها في علمه تعالى اللّه عن ذلك . . . " « 1 » وهذا عين ما ذهب إليه الغزالي من قبل حيث نفى فكرة الزمان عن الحق ، إذ لا يجوز في حقه تعالى أن يكون متعينا بالزمان ، فهو متقدم على العالم لا بالزمان ، بل بالذات كتقدم الواحد على الاثنين . " فاللّه متقدم على العالم والزمان ، إنه كان ولا عالم ، ثم كان ومعه العالم ، ففي الحالة الأولى نفرض وجود الذات واحدة هي ذات اللّه ، وفي الثانية ذاتين هما ذات اللّه وذات العالم ، وليس من الضروري أن نفرض وجود شيء ثالث هو الزمان " « 2 » كذلك ابن سبعين الذي ينفي فكرة الزمان كليا ، ويرى بأنّ الوجود المطلق ينتفي معه القبلية والبعدية لأنه الوجود الحقيقي ، أما الوجود المقيد والمقدر فهما لا شيء على التحقيق ، ويترتب على ذلك أن يتوب الإنسان عن إثبات البعدية والقبلية للّه بالنسبة للأشياء ، لأن وجود هذه الأشياء هو عين وجود اللّه « 3 » . ولا يقتصر الأمر لدى الجيلي على فكرة القبل والبعد وحكم الزمان في الوجود فقط ، بل يتعداها إلى فكرة الأزل والأبد ، باعتبارها إشارات إلى معقول القرب والبعد للّه تعالى ، وقد حدد مفهوم الأزل والأبد من حيث اقتضاء الكمال الذاتي لا من حيث تقدم
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 2 ) حنا فاخوري ( خليل الجر ) ، تاريخ الفلسفة العربية ، بيروت ، 1966 ، ص 525 . ( 3 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، ابن سبعين وفلسفته الصوفية ، ص 212 .