سهيلة عبد الباعث الترجمان
695
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
في الخلق ، لأن الخلق موجود بغيره وليس بذاته ، فلزم بذلك أن صفاته أيضا موجودة بغيره وليس بذاته . ومن هنا جاءت التفرقة بين وجود تام ووجود غير تام بقوله : " إنه لا يخلو أن يحتاج في وجود صفاته إلى نفسه ، أو إلى غيره ، فإن احتاج في وجود صفاته إلى غيره فهو غير تام الوجود ، لأن الكامل بغيره متعلق كماله بوجود ذلك الغير ، وذلك الغير إما أن يكون واجبا بنفسه أو يكون متعلق الوجود بوجود من تعلق كمال وجوده بوجوده . . . فثبت أنه غير محتاج إلى غيره ، وثبت أن صفاته واجبة بوجوبه ، قديمة بقدمه " « 1 » . وجملة القول أن الجيلي يقول بحدوث الموجودات جمعها . وفي هذا يلتقي مع المتكلمين في فكرة حدوث الخلق وقدم الحق . فقد قال بها المتكلمون ، وأثبتوا قدم الباري لأنه أوجد المحدثات « 2 » وهذا ما حكاه " معمر " بن عبّاد السلمي من المعتزلة عن قدم الباري عز وجلّ . إنه كان لا يقول أن الباري قديم إلا إذا أوجد المحدثات . وقول الجبّائي " أن اللّه قديم معناه أنه لم يزل كائنا لا إلى أول ، وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية " « 3 » ويعقّب الجيلي على قوله بحدوث الموجودات جميعها ، ذلك أن كل محدث له حكم الانقضاء لأنه أوجد بفعل قوة أحدثته ، وهي خارجة عنه ، فلا بد إذن من انقضائه تحت سلطانها وفنائه فيها . وهذا ما ينطبق على العالم الدنيوي ، وهو العالم المخلوق المحدث ، فإن له نهاية كما أن له بداية . ولهذا فضرورة حكم المحدث أن ينقضي ، ولا بد له من ذلك إذ انقضاؤه وفناؤه تحت سلطان الحقيقة الإلهية ، وهذا ما ترتب عليه القول بحدوث الممكنات باعتبارها أعيانا ثابتة في العلم الإلهي . فما هي إذن حقيقة هذه الأعيان الثابتة ، وهل لها صفة الحدوث أم القدم ؟ يستخدم الجيلي فكرة الأعيان الثابتة ليوضّح فكرته عن الوجود وتصوره له على الحقيقة ، وهو اللّه وحده ، وأن كل ما عداه فهو نسب وإضافات ، حتى قوله بالعدم هو من هذا القبيل إذ أنه أمر اعتباري حكمي فقط . وقد أفرد للأعيان الثابتة بابا في
--> ( 1 ) الجيلي ، حقيقة اليقين ، ورقة 5 ، ص ب . ( 2 ) الأشعري ( أبو الحسن علي بن إسماعيل ) ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، ط ثانية ، مكتبة النهضة ، مصر ، 1389 ه / 1969 م ، الجزء الثاني ، ص 201 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 201 .