سهيلة عبد الباعث الترجمان

692

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فهو محدث ، إذن فهذا دليل على حدوث العالم وانعدام النسبة والمشاركة بينه وبين الحق في القدم ، وبذلك يتحدد له هذا الأمر بتفرقته بين القدم والحدوث ، وبين اللّه والعالم فيقول : " العالم غير اللّه ، وصفات اللّه منزهة عن صفات العالم ، فلا تشبه العالم ذاته بوجه من الوجوه ، ولا بينه وبين العالم نسبة ، لأنه القديم الواجب بذاته ، والعالم محدث مفتقر إلى غيره لأنه موجود ما دام الحق ينظر إليه نظرة الغيّرية ، فإذا رجع نظره عنه فني العالم بأسره . . . كذلك نقول من حيث الحقيقة ، وإن شئت من حيث الذات ، وإن شئت قلت من حيث الوحدانية ، وعدم الانقسام ، العالم كله هو اللّه لا غيره " « 1 » . فتحديده لمعنى القدم والحدوث بهذا الشكل لا لبس فيه ، بحيث لا تتعارض في حقه تعالى وحق العالم صفات القدم والحدوث ، وقد أكد ذلك من خلال نظرته الشاملة للوجود بوجهيه الحقي والخلقي فقال محددا ذلك : " إن الوجود كله بما اشتمل عليه من الموجودات لا يخلو : إما أن يكون قديما أو يكون محدثا . فالقديم هو الواجب الوجود لذاته أزلا وأبدا ، أو هو اللّه تعالى وأسماؤه وصفاته ، والمحدث هو ما صار واجبا بعد أن كان جائزا ، وهو المعبّر عنه بما سوى اللّه ، وبالعالم " « 2 » . وقد ظهرت له حقيقة هذا الأمر في حالة كشف ذوقي تجلّت له فيها الحقيقة دون نقص في إيمانه بحدوث العالم وعدم قدمه ، وتفسيره لذلك الوجود تفسيرا ذوقيا فقال : " فإنه كما يرى بأن للعالم وجود سابق في العلم الإلهي ، وأن الحق أوجد الخلق من وجود عيني إلى وجود شهادي ، أما عندنا ، فهو أوجد العالم من علمه إلى عينه ، هو عبارة عن إضافة الحق تعالى نسب الوجود إلى عينه ، لأن الموجودات بأسرها لم تزل موجودة في علمه ، وعلمه على الحقيقة عينه ، وعينه ذاته ، لأنه بذاته يعلم ، وبذاته يسمع ، وبذاته يبصر . . . قلت لك إن ذلك العلم والسمع والبصر عين ذاته لا غيرها ، فوجود العالم الكوني إيجاده لهم في بصره ، وهو عبارة عن إضافة نسبة وجودهم إلى بصره ، وهم قبل ذلك وبعده موجودون في علمه تعالى غير مفارقين للعلم حالة إضافة نسبة وجودهم إلى علمه ، لأن عينه بالغ مدى علمه ، فلا يغيب عنه شيء ، لكن إضافة نسبة الحق لهم إلى عينه أكسبتهم الإيجاد العيني ، ولو رفع عنهم هذه

--> ( 1 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 56 ، ص ب . ( 2 ) المصدر السابق ، ورقة 55 ، ص ب .