سهيلة عبد الباعث الترجمان
688
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لا يميل إلى القول بالعدم ، وإنما يتصور الوجود فيض الموجودات عن اللّه فيضا مستمرا لا ينقطع ، لذا فهو يقول في تفسيره لوجود الموجودات بالفيض الإلهي المستمر ولا يقول بالخلق من العدم لأنه ينكر العدم ، ولفظ الخلق عنده مرادف للفيض ، ولكن كيف تترادف لفظة الخلق مع الفيض عنده إذ أن الذي يقول بالفيض ينتهي إلى القول بقدم العالم ، والذي يقول بالخلق يعتبر أن العالم محدث ، وهو في هذا يتفق مع ابن عربي في قوله أن الأشياء لم تخلق من العدم ، وهو وجه الخلاف مع الجيلي الذي يثبت العدم ويقول بأن وجود الأشياء من العدم المحض « 1 » ؟ ومما نلاحظه أن في قول الجيلي بالخلق من العدم فيه شيء من الخروج على مدرسة ابن عربي ، وربما كان هذا الخروج في الشكل دون المضمون ، لأن الجيلي لم يحدد معنى العدم تحديدا دقيقا ، ولكنه ربط فكرة " الخلق " بكلمة " العدم " دون الوقوف عند المفهوم الخاص للعدم . ولعله قصد بذلك مرتبة وجودية تردّ إليها فكرة الخلق . وربما كان تأويله للآية الكريمة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 2 » بما يتفق وفكرته عن العدم فيقول : " اتفقت العلماء على أن " هل " في هذا الموضع بمعنى " قد " يعني قد أتى على الإنسان حين من الدهر ، والدهر هو " اللّه " والحين " تجلّ من تجلياته " لم يكن شيئا مذكورا ، فلا وجود له في ذلك التجلي ، لا من حيث الوجود العيني ولا من حيث الوجود العلمي ، لأنه لم يكن مذكورا فلم يكن معلوما " « 3 » فيتضح لنا من موقف الجيلي هذا أنه يريد إظهار دور الإرادة والقدرة الإلهية ، وعدم تعطيلهما في إيجاد الخلق ، لذلك يعمد إلى التنزيه ، فينزه الحق عن إلحاق أي ضعف به ، بل يظهر ما فيه من قوة قائمة بنفسها مغايرة لقوة الخلق ، فقال : " فأنا أنزه ربي أن أعجز قدرته عن اختراع المعدوم وإبرازه من العدم المحض إلى الوجود المحض " « 4 » . وقد ربط الجيلي بين وجود الموجودات وعلم اللّه بها ، فعلمه لنفسه ولمخلوقاته علم واحد ، فلا يوجد علم قديم للذات وعلم محدث للموجودات ، إنما يعلم بعلم واحد . أما
--> ( 1 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) : عبد الحق بن سبعين ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني ، 1973 ، ص 164 . ( 2 ) سورة الإنسان ، الآية : 1 م . ( 3 ) البرزنجي ، مصدر سابق ، ص 60 . ( 4 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 57 .