سهيلة عبد الباعث الترجمان
674
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فالألوهية إذن على هذه الحالة هي أعلى مظاهر الذات ، ولكل من الحق والخلق فيها ظهور ، فظهور الحق في الألوهية يكون في أعلى مرتبة ، أما ظهور الخلق فهو على حسب ما يستحقه الخلق من تنوعاته وتغيراته وانعدامه ووجوده ، لذلك فإن للألوهية وجهين . ظاهر وباطن ، فظاهرها هو الخلق وباطنها هو الحق ، وهذا ما أشار إليه في الصورة التشبيهية للثلجية والماء بحيث يمثل كل منها وجها من وجوه حقيقة الألوهية فيقول : وما الخلق في التمثال إلّا كثلجة * وأنت بها الماء الذي هو نابع « 1 » فالصورة التشبيهية للثلجية إذن إشارة إلى ظاهر الحق وهو الخلق ، والماء باطن فيه ، فالثلج هو غير الماء في ظاهره وعين الماء في حقيقته « 2 » . وهكذا فإن الألوهية تجمع في ذاتها الأحكام الحقية والخلقية على حد سواء ، خلافا لغيرها من المراتب التي تقتصر على وجه واحد منها فقط كالرحمانية ، فهي تقوم على الجانب الحقي فقط " فالرحمانية اسم لجميع المراتب الحقيّة ، ليس للمراتب الخلقية فيها اشتراك ، فهي أخصّ من الألوهية لانفرادها بما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى ، والألوهية تجمع الأحكام الحقية والخلقية ، فكان العموم للألوهية والخصوص للرحمانية ، فالرحمانية أعزّ من الألوهية لأنها عبارة عن ظهور الذات في المراتب العلية وتقدّسها عن المراتب الدنيّة ، ليس للذات في مظاهرها مظهر مختص بالمراتب العلية بحكم الجمع إلا المرتبة الرحمانية . فنسبة المرتبة الرحمانية إلى الألوهية نسبة السكرنبات إلى القصب . . . " « 3 » . ويكمن سرّ الألوهية فيما يراه الجيلي في كل فرد من أفراد الموجودات ، وذلك لما يتضمنه كل فرد من أسرار الألوهية بحيث تكون الموجودات جميعها مرائي متقابلة بعضها لبعض ، فتتشابه الموجودات المندرجة فيها باعتبارها تعينات متساوية في وجودها في الألوهية وذلك بسريان هذا السر فيها فيقول : " وللألوهية سرّ وهو أن كل فرد من الأشياء التي يطلق عليها اسم الشبيه ، قديما كان أو محدثا ، معدوما كان أو
--> ( 1 ) الجيلي ، النوادر العينية ، بيت 164 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، ابن عربي في دراساتي ، الكتاب التذكاري ، ص . ص 28 - 29 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص . ص 27 - 28 .