سهيلة عبد الباعث الترجمان
672
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الخلق وكل ما فيه من موجودات ، لذلك يرمز بالحروف والكلمات إلى هذا الأمر فقال : " فكل موجود في هذا العالم حرف باعتبار ، وكلمة باعتبار ، وسورة باعتبار ، وفرد منقطع باعتبار ، ومركّب باعتبار ، لأنا إذا نظرنا في كل موجود من غير أن ننظر في وجوهها وعوارضها ، ولوازمها ، وجدناها مجردة عن الكل ، فباعتبار تجردها عن الكل سميناها حروفا . . . وباعتبار إضافتنا الكل إليها سميناها كلمة . . . فإذا فهمت هذا فاعلم أن الحق مبدأ الكل ومعاده ، وإليه يرجع الأمر كله ، وإلى اللّه المصير . . . ولا بد أن يكون الكل فيه قبل كونه ، إذ ثبت أنه كان ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه . . . فعلمه بذاته مستلزم بعلمه بجميع الأشياء ، إذ جميع الأشياء كامنة مندرجة كاندراج الشجرة في النواة . . . " « 1 » فكمون الأشياء واندراجها في الذات الإلهية إذن هو دلالة على وجود الموجودات في العلم الإلهي ، وبمقتضى الأمر الإلهي يتحول وجود الموجودات من العلم الإلهي إلى العلم العيني أي عالم الشهادة ، ذلك أن الذات قديمة ، ولها الوحدانية الكاملة . " فالحق عين كل شيء ، وهو واحد على تعدد الأشياء " « 2 » ، لذا ينتفي القول بتعدد الشخصيات في ذات اللّه لانفرادها بالوحدة ، إنما هو تعدد الاعتبارات والنسب بين الذات والمجالي الوجودية الكثيرة التي ظهرت الذات فيها . فالواحد بهذا المعنى ثابت لا يتغير في ذاته مهما صدرت عنه الكثرة ، وذلك لاستحالة التغيّر في الجوهر ، فليس لحدوث الكثرة إذن أي أثر في تغيير الباري عزّ وجلّ . وقد سبقه إلى هذا المعنى البطليوسي « * » ( ت 521 ه ) بقوله " إنه كما أن الواحد لا يتغير عن الواحدانية بكثرة ما حدث من الأعداد عنه ، ولم يوجب ذلك تكثرا في ذاته ولا استحالة في جوهره ، فكذلك حدوث العالم وكثرته لا
--> ( 1 ) الجيلي ، مرآة العارفين ، مخطوط ، مكتبة الأزهر ، ( ضمن مجموعة ) ، ورقة 9 ، ص أ . ( 2 ) الجيلي ، سبب الأسباب ( أو حقيقة اليقين ) ، ورقة 6 ، ص . ص أ - ب . ( * ) البطليوسي : عبد اللّه بن محمد بن السيد ، من العلماء باللغة والأدب ، ولد ونشأ في بطليوس في الأندلس ، وانتقل إلى بلنسية فسكنها وتوفي بها . من كتبه " المسائل والأجوبة ، خ - . الحدائق ، مخطوط في أصول الدين " ، ( بغية الملتمس ، ص 32 ، 7758 ، 1347 : Brok . قلائد العقيان 193 ، ابن خلكان 1 / 365 ، المغرب في حلى المغرب 1 / 385 ) .