سهيلة عبد الباعث الترجمان
668
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ثانيا : الواحد والكثير : يبحث الجيلي في هذا الأمر من خلال تصوره للوجود ، كما ينظر إلى الكثرة من خلال الوحدة ، ولما كان تصوره للوجود تصور واحد ، ويرى أن العالم كله هو اللّه لا غير من حيث هو تجليات أسمائه وصفاته ، فكيف يفسر هذه الكثرة المشاهدة فيه ؟ لقد تساءل الجيلي نفسه عن سرّ هذه الكثرة الظاهرة في الوجود فقال : " إن كان العالم عينه فما هو هذا التعدد الموجود في العالم وهو واحد سبحانه وتعالى ؟ وكيف نقول أنه واحد وهو متعدد ؟ وكيف يظهر متعددا وهو واحد ؟ فهذه جملة تساؤلات ساقها الجيلي محاولا الإجابة عليها بقوله : " إن التعدد الظاهر في الوجود غير مناف للواحدية الإلهية ، لأن الوجه الواحد إذا قابلت به مرائي كثيرة ، فإن الواحد يتعدد فيها ولا يتعدد في نفسه ، فهو واحد من حيث هو ، متعدد من حيث تلك المرائي ، فهذا التعدد الواحدي لواحد غير متعدد " « 1 » وقد سبقه جلال الدين الرومي ( ت 672 ه ) إلى ذلك حين قال : وما الوجه إلّا واحدا غير أنه * إذا أنت عددت المرايا تعددا « 2 » . ويرى الجيلي في الأشعة المنبعثة من قرص الشمس « * » خير مثال على ذلك لتقريبه إلى الفهم ، فهي على كثرتها وتعددها واحدة المصدر . ويعمد إلى استخدام الصور التشبيهية في شرح ذلك فيقول : " إن نسبة كون الأرواح المتعددة المخلوقة من نور الحق هو نسبة الشعاعات المختلفة المضيئة من شعاع الشمس ، ونسبة ما يدّعيه المحققون من وحدة العالم نسبة واحدية الشمس ولو ظهرت في تلك الزجاجات على اختلافهن فهي واحدة لم تتعدد ، ولم تتنوع في نفسها ولو تنوعت المظاهر " « 3 » . كما يعمد إلى توضيح ذلك أكثر بصورة تشبيهية أخرى تبين حقيقة هذه الوحدة للذات مهما تعددت مظاهرها فيرى أن
--> ( 1 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 57 ، ص أ . ( 2 ) العطار ( فريد الدين ) ، وحدة الوجود ، ص . ص 400 - 401 . ( * ) لقد وردت هذه الصورة الرمزية لدى أفلوطين في تفكيره الصوفي حيث حاول حل مشكلة الواحد والكثير ، مستندا إلى تشابيه حسية مستمدة من تصورات شعبية وثنية الأصل فمثلا هو نور وملك وشمس ، وذكر أن الموجودات ( الكثرة ) تصدر عن الواحد بضرب من الإشعاع تماما كما تفيض الأشعة عن الشمس ، ( راجع تساعيات أفلوطين ( Plotinus , Enneades , . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ( بولاق ) ، ص 59 ، ( صبيح ) ، ص . ص 54 - 55 .