سهيلة عبد الباعث الترجمان
652
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » . فيكون الاسم " هو " والحالة هذه له دلالته اللغوية وإشارته إلى غائب حاضر في الذهن ، ويمكن الرجوع إليه بالإشارة بعد مشاهدته الحسيّة حيث يختزنه الخيال . ولو غاب عنه لما أمكن الإشارة إليه . وهكذا فإن " هو " إشارة إلى الحاضر ليس إلّا ، ولكن قد يستخدم اسم " هو " في الإشارة دون مشاهدة حسية للوجود المحض الذي لا ندركه ، ولا نحيط به علما إلّا بما يرسمه الخيال ويصوره الذهن فقط ، وذلك لعدم جواز رؤية الحق أو إدراك ماهيته ، ولأن " هو " هو الوجود المحض فقط ، وقد أشار إليه بقوله : " إن " هو " يقع على الوجود المحض الذي لا يصح فيه عدم ، ولا يشابه العدم في الغيبوبة والفناء ، لأن الغائب معدوم عن الجهة أي لم يكن مشهودا فيها ، فلا يصحّ هذا في المشار إليه بلفظة " هو " فعلم من هذا الكلام أن الهويّة هي الوجود المحض الصريح ، المستوعب لكل كمال وجودي شهودي ، لكن الحكم على ما وقعت عليه الغيبة هو من أجل أن ذلك غير ممكن بالاستيفاء ، فلا يمكن استيفاؤه ولا يدرك ، فقيل إن الهويّة غيب لعدم الإدراك لها ، لأن الحق ليس غيبه غير شهادته ، ولا شهادته غير غيبه بخلاف الإنسان ، . . . أما الحق فغيبه عين شهادته وشهادته عين غيبه ، فلا غيب عنده في نفسه ولا شهادة ، بل له في نفسه غيب يليق به وشهادة تليق به كما يعلم ذلك نفسه ، ولا يصح تعقّل ذلك إذ لا يعلم غيبه ولا شهادته على ما هو عليه إلا هو سبحانه وتعالى " « 2 » . ولما كان مبدأ الجيلي في مذهبه قائما على الوحدة الكاملة بين الحقائق الوجودية ، فإنه يرى أنه لا يتم التحقق للعبد كمال التحقق بهذه الوحدة إلّا بفنائه عن إنيّته وبقائه بالهويّة الإلهية دون حلول أو مزج ، بل كشفا ذوقيا شهوديا ، حيث لا يرى في الحقيقة غير هويّته ، فتفنى إنيّة العبد في هويّة الحق بحيث يصبح العبد من حيث هو لا هو ، بل هو الحق المتجلّي عليه باسم أو صفة . ومن هنا يكون تحقق العبد بقدر استعداده لتلقّي كل تجلّي ، فيتحقق بالعلم الإلهي الحاوي لكل العلوم بكل ما فيها من إضافات وغير ذلك ، لذلك يرى أن " ترك النفس إما هو بجحود الإنيّة وثبوت الهويّة الإلهية عرض أنيّتك فتكون أنت لا أنت ، بل هو ، بل ما أنت هو لأنه هو هو ، وفي هذا
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 68 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 68 .