سهيلة عبد الباعث الترجمان

649

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يمنعوا تجلي الألوهية ، فإن الأحدية ذات محض لا ظهور لصفة فيها فضلا عن أن يظهر فيها مخلوق ، فامتنع نسبتها إلى مخلوق من كل وجه ، فما هي إلا للقديم القائم بذاته . . . " « 1 » . ولما كانت حقيقة الأحدية خافية عن كل أحد لا تعرف ولا تدرك بالعقل والفكر ، فلم ير مظهرا أتمّ وأكمل لمظهرها الخارجي سوى الخلق ، وذلك بعد تجرده من كل نسبة واعتبار ، بحيث يكون أكمل مظهر لتلك الأحدية في الأكوان ، وذلك في حال الفناء عن كل شيء . وقد حدد أبعاد هذا الأمر بقوله : " وليس لتجليّ الأحدية في الأكوان مظهرا أتمّ منك إذا استغرقت في ذاتك ونسيت اعتباراتك ، وأخذت بك فيك عن ظواهرك ، فكنت أنت في أنت من غير أن ينسب إليك شيء مما تستحقه من الأوصاف الحقية ، أو هو لك من النعوت الخلقية ، فهذه الحالة في الإنسان أتمّ مظهر للأحدية في الأكوان " « 2 » . ويلتقي الجيلي مع ابن عربي في هذا الموقف من الأحدية حيث أشار في شرحه على الفتوحات المكية " أنه منع أهل اللّه تجلي الأحدية لعزتها ، وأن يكون لغير اللّه فيها قدم . " وسرّ المنع أن الأحدية من حيث هي أحدية تقتضي عدم التعدد فيها في كل وجه ، وبكل اعتبار ، فكيف لخلق فيها قدم مع حق ، وكذلك يشعر بالتغاير والإثنينية ، وهذا محال وغير ممكن في تجلي الأحدية ، فإذا صحّت له نسخة منها فبالأولى أن يصحّ لك جميع ما تحتها من الكمالات المعبّر عنها بالأسماء والصفات فأنت الحي ، وأنت العليم . . . وهي السبعة أمهات الكمال دائمة الأسماء والصفات ، وقد سميت بها ظاهرا ، وسوف أكشف لك عن مواقع نجومها باطنا . . . " « 3 » . وما يراه بركهارت في هذا الشأن أن الأحدية التي هي أول مراتب التنزلات تعبر من جهة عن " اللاتمييز " وعن " اللاثنائية " أو " اللاتغيير " وهي من جهة أخرى مبدأ التمييز بالذات ، إذ بطبعه الفريد يتميز الكائن - أو الشيء - عن غيره من الكائنات أو

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( صبيح ) ، ص 23 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 30 ، ( صبيح ) ، ص 25 . ( 3 ) الجيلي ، شرح مشكلات الفتوحات المكية ، ورقة 21 ، ص أ .