سهيلة عبد الباعث الترجمان

54

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ربيع الثاني سنة 627 ه ( 1229 م ) أصابته هلوسة بصرية حادّة جدا ، فعلى أرضية من النور الأحمر ظهر لعينيه شكل هندسي ذو لون أبيض يحيط باسم " هو " « * » الذي يدلّ عند الصوفية على الماهيّة المشخّصة للّه ، فلما شاهد ابن عربي ذلك غشي عليه . فهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على عدم دراية بلاثيوس بحقيقة التصوف لدى ابن عربي والصوفية ، إذ أن ما يراه هلوسة ليس سوى كشف لحقيقة إلهية تحقق بها ابن عربي كثمرة من ثمرات المجاهدة التي وصل بها ابن عربي إلى غاية المطاف فقال : " في ليلة تقييدي لهذا الفصل ، وهي الليلة الرابعة من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وستماية ، الموافقة ليلة الأربعاء ، الذي هو الموفي عشرين من شباط ، رأيت في الواقعة ظاهرة الهويّة الإلهية شهودا وباطنها مشهودا محقّقا ما رأيتها قبل ذلك في مشهد من مشاهدنا ، فحصل لي من مشاهدة ذلك من العلم واللذة والابتهاج ما لا يعرفه إلا من ذاقه . . . والشكل نور أبيض في بساط أحمر له نور أيضا في طبقات أربع . . . فما رأيت ولا علمت ولا تخيلت ولا خطر على قلبي مثل صورة ما رأيت في هذه الهويّة ( الهويّة ) . . . " « 1 » . زد على ذلك أن بلاثيوس قد حكم عليه بالاختلال العقلي لأنه لم يخضع لسطان العقل في كتابة مؤلفاته حيث كان يتلقّى إلهامات ربانية ، ووحي إلهي يملي عليه ما يجب عليه كتابته ، حتى أنه لم يكن له الاختيار في ذلك ، ولعلّ بلاثيوس ممن ينطبق عليه قول ابن عربي " لا يعرف ذلك إلا من ذاق " ، لذلك جاء تفسيره لواقع ابن عربي بأنه حالة مرضيّة دون أن يعبأ بما هو فيه من خصوصية ، وقد أشار ابن عربي إلى حقيقة ذلك قائلا : " وربما ألحق بذلك الآيات التي تليها ، وإن كان ذلك ليس من الباب ولكن فعلته عن أمر ربي الذي عهدته ، فلا أتكلم إلّا على طريق الإذن ، كما أني سأقف عندما يحدّ لي ، فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف ، ولا نجري نحن في مجرى المؤلفين ، فإن كل مؤلّف إنما هو تحت اختياره ، وإن كان مجبورا في اختياره ، أو تحت العلم الذي يبثه خاصة ، فيلقي ما يشاء ، ويمسك ما يشاء أو يلقي ما يعطيه

--> ( * ) الشكل كما ورد في الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( بولاق ) ، هو ، ص 591 . ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 591 .