سهيلة عبد الباعث الترجمان
609
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
- مراتب الوجود : نظرا لتنوع تجليات الحق في الموجودات واختلافها فيما بينها ، عمد الجيلي إلى إدراجها في مراتب ، بحيث تحتل كل مرتبة منها ما يناسب وقعها بين العوالم المختلفة والمراتب المتعددة الوجود ، فما المراتب التي أدرجها فيها ؟ وكيف نسق بين موجوداته ورتب وجودها الكوني ؟ إن الجيلي في تصوره للوجود على الشكل الدائري ، وتقسيمه له بين حق وخلق ، وملكوت وجبروت ، نجده يراعي الموجودات ويحلّ كلا منها في مكان يتفق ومكانتها بين باقي الموجودات بحيث تبدو علاقة كل مرتبة بسابقتها وكذلك بالمرتبة اللاحقة بها . ولما كان الوجود في نظره حقيقة واحدة ذات وجهين حقي وخلقي فإن مراتبه على تعددها وتنوع أجناسها تمثل وجودا واحدا لأنها ذات مصدر واحد وهو حقيقة الحقائق وفيه قوله : ولسائر الأشياء منه مراتب * فيه لتظهر ميزة الأشياء ولكل مرتبة في الأشياء ما * هو وفقها بصفات ذي الأسماء والكل في الكل لفرد جامع * للكل يحوى ساير الفرقاء « 1 » فالوجود إذن من حيث هو الوجود الواحد لا يمكن معرفته إلا عن طريق آثاره الدالة عليه ، ذلك أن معرفة اللّه منوطة بمعرفة الوجود ، ولما كان الإنسان من هذا الوجود قال صلّى اللّه عليه وسلّم " من عرف نفسه فقد عرف ربه " « 2 » ، ولهذا ربط الجيلي المعرفة بطرفي الحقيقة الوجودية بعد أن رتب الموجودات جميعها ترتيبا تنزليا « * » مع أن المعرفة انتهجت طريقا تصاعديا يصعد فيه العارف من معرفة الآثار
--> ( 1 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورقة 1 ، ص ب . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( * ) التنزل : الترتيب ، والتنزل : النزول في مهلة ، ( مختار الصحاح للرازي ، ص 654 ) ، ويعني الجيلي أن المراتب متفاوتة في العلو إذ أن لكل من الأسماء مرتبة بحيث يدخل الاسم الثاني تحت هيمنة الاسم الأول مثال قوله : " إن الأحدية أعلى الأسماء إلى تحت هيمنة الألوهية ، والواحدية أول تنزلات الحق من الأحدية ، فأعلى المراتب التي شملتها الواحدية المرتبة الرحمانية وأعلى مظاهر الرحمانية في الربوبية وأعلى . . . فالملكية تحت الربوبية ، والربوبية تحت الرحمانية والرحمانية تحت الواحدية ، ( الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 27 ) .