سهيلة عبد الباعث الترجمان
587
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أثر مدرسة ابن عربي في تصوف الجيلي ومذهبه : بعد أن عرضنا لشخصية الجيلي وخصائص عصره ، وأعماله ، فلنا أن نتساءل : إلى أي حدّ يمكن اعتبار الجيلي من المتأثرين بمدرسة ابن عربي والتابعين لخطواته ، والممثلين لمذهبه أصدق تمثيل ؟ الواقع أن الجيلي قد تابع خطوات ابن عربي ونسج على منواله في تصوره للوجود ، فغدا مذهبه صورة مكملة لمذهب ابن عربي ، فهو ينطلق من الحقائق الإلهية التي تتجلّى في الكون ، والتي يدور عليها أمر الوجود . كما يرى في الوجود وحدة قائمة غير منفصلة هي من وجه حق ومن وجه خلق . وكذلك في مبحث الألوهية وما ينسب إليه من الأسماء والصفات ، حيث أن الذات لا تعرف إلا بإضافة الأسماء والصفات إليها ، وطريق ذلك هو الكشف الصوفي والتجريد ، إذ لا سبيل إليه بالنظر العقلي . كما أن للألوهية عنده مفهوم خاص ، فهي جميع حقائق الوجود التي هي أحكام المظاهر مع الظاهر ، أعني الحق والخلق ، وبمعنى آخر الحقيقة التي تشمل جميع المراتب الإلهية والكونية ، وتعطي كل ذي حق حقه من الوجود « 1 » ، وهي أعلى مظاهر الذات . والوجود كما يراه الجيلي هو الوجود المطلق ، ولكنه عندما يخرج عن مطلقيته فإنه يمرّ بثلاث مراحل ، فالمرحلة الأولى مرحلة الأحدية ، والثانية مرحلة الهوية ، والثالثة مرحلة الأنيّة . من هنا يتضح لنا مدى تأثر الجيلي بابن عربي ، فهو يصرح بكل دقة وجلاء بما أراد أن يعبّر عنه سابقوه من الصوفية الأولين ، وهو وإن خضع لتأثير ابن عربي في وحدة الوجود ، فإنه استطاع أن يفصح بكل جرأة عن مكونات تلك المدرسة على نحو جديد ، فعلى حين رأى ابن عربي أنه " إذا تملك المعرفة باللّه أجزاء العارف من حيث هو مركب ، فلا يبقى فيه جوهر منه إلا وقد حلّت فيه معرفة ربه ، فهو عارف به بكل جزء منه . . . " جاء الجيلي ليوضّح مفهوم ذلك بعدد من الأمثلة والمشاهدات التي
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 23 .