سهيلة عبد الباعث الترجمان
569
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
العليم في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم . . . " « 1 » وفي قوله شعرا : خذوا يا ندامى من حباب دنانها * أماني آمال تجل وتعظم ولا تهملوا باللّه قدر جنابها * فما حظ من فاتته إلّا التندم ليهن أخلّائي الذين حظوا بها * عليهم سلامي والسلام مسلم « 2 » فهذه الدعوة الصريحة من الجيلي للأخذ عن الذات الإلهية مباشرة وعدم إهمال جنابها وعظمتها دلالة واضحة على موقفه الصوفي الخالص من كل شوائب الفكر الشخصي والعقل البشري ، بل إرادة إلهية ووهب إلهي لمن هم أهل لذلك الأمر . فهو إذن ولو أنه عرف الفلاسفة اليونان وأفكارهم وعرف مقدارهم إلا أنه لم يقم مذهبا فلسفيا قائما على أسس ومبادئ فلسفية لأنه انطلق في علمه الصوفي من تعليم الكتاب والسنة والفقه والحديث وعلم الكلام بل ومجموع العلوم الإسلامية التي يقوم عليها الإسلام ، وطريقه في ذلك كله الكشف والذوق والوجدان حيث يقول : " فإنه لما كان كمال الإنسان في العلم باللّه وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه ، وكانت معارف التحقيق المنوطة بالإلهام والتوفيق حرما آمنا يتخطف الناس من حوله بالموانع والتعويق ، قفارها محفوفة بالغلطات والتزليق ، بحارها مشوبة بالهلكات والتغريق ، صراطها أدق من الشعر الدقيق وأقطع من لسان الحسام الرقيق ، لا يكاد المسافر أن يهتدي فيها إلى سواء الطريق ، الفت كتابا . . . " « 3 » فالعلم عنده إذن ليس من قبيل الوضع الإنساني إنما هو علم رباني صعب الوصول إلّا لمن خصه اللّه به وأكرمه بتلقيه . ولعل ما يثبت ثقافته الصوفية الواسعة وعلمه الإلهي قوله منبها على الأصول التي بنى عليها كتابه الإنسان الكامل ومحذرا من الوقوع في الخطأ بحقه فقال : " ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئا في هذا الكتاب إلّا وهو مؤيد بكتاب اللّه أو سنة رسوله اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه إذا لاح له شيء من كلامي بخلاف
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 4 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 5 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص . ص 4 - 5 .