سهيلة عبد الباعث الترجمان
567
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الوجود « 1 » . وربما اطلع على هذه الأفكار من خلال الصوفية المتفلسفين الذين مزجوا أفكارهم الصوفية بأنظار فلسفية . وربما كانت معرفته ببعض جوانب الفلسفة اليونانية قد دفعته إلى معرفة مصطلحاتها مثل العقل الأول والروح الكلي والنفس الكلية ، واستخدامها في بعض عباراته رغم اعتماده على الجذور والأصول الإسلامية من فقه وحديث وتفسير وتأويل الآيات وما أشار إليه أيضا في علم التوحيد ، وفي هذا دلالة واضحة على تنشئته الدينية وتأثره بالبيئة الإسلامية ، إضافة إلى نشأته الصوفية المبكرة حينما دخل في خدمة أهل الطريق ، فكان لها أكبر الأثر في توجيهه وجهة دينية روحية تحققت له في ظل شيوخه وأساتذته من الصوفية والفقهاء الذين ساح في البلاد سعيا وراءهم ونال العلوم على يديهم ، كما كان له اطلاع واسع على العلوم الطبيعية والاستقصات ، وتكلم بالأمزجة كالبرودة واليبوسة والرطوبة وهي خصائص علم الطب القديم . كذلك ألمّ بعلم الفلك وحركات النجوم ومواقعها في النفوس ، وعرف علم الطبائع وتركيبها ، والنباتات والحيوانات وروحانية هذه جميعها ، كما اهتم بمعرفة علم الحروف والأسماء وعلوم السيمياء « * » والسحر والطلاسم والأوفاق « * * » « 2 » . ومما لا شك فيه أن الجيلي لم يكن يحصّل جميع هذه العلوم والفنون نتيجة تلقين من أساتذته وشيوخه لشموليتها وتعدد أنواعها ، ولا يستند إلى العقل بأدلته وبراهينه كي يصل إليها ، إنما هي نتيجة كشف روحي في ساعة من ساعات الوجد التي يفنى فيها الصوفي عما يحيط به في العالم الخارجي ، فيحصّل منها ما لا يقدر أهل الفكر والنظر على تحصيله مدى الدهر ، وهذا ما يبين لنا مدى الاستعداد الروحي لدى
--> ( 1 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار عن رسالة الأنوار لابن عربي ، الفيحاء ، دمشق ، 1348 ه / 1929 م ، ص 31 . ( * ) السيمياء هي الكيمياء قديما . ( * * ) الأوفاق ، فمفردها الوفق : يقول الجيلي : إنما سمي وفقا لحصول الموافقة الكلية فيه وصفا وعددا واطلاعا وقطرا ومناسبة للمطلوب وللوقت والشرف ، والاسم الناظر في ذلك الأمر ، فإذا اجتمع ذلك كله سمي الوفق وفقا . ( الجيلي ، المصدر السابق ، ص 5 ) . ( 2 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورقة 23 ، ص أ .