سهيلة عبد الباعث الترجمان
557
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
من مكة ، فدرس عليه أصول التصوف ، وتعمق فيه وخبر لجّته ، ودام ذلك طيلة المدة ما بين سنتي 796 ه و 803 ه ، وهي الفترة التي ارتفع فيها إلى المراتب العليا ، والدرجات الرفيعة ، مقتربا من الحق ، معتزلا الدنيا ، مستغرقا في نشوة الفناء التي هي غاية المطاف عند بعض الصوفية « 1 » . والجا في سرمدية اللّه ، نافذا من التعدد إلى التفرّد ، ومن الكثرة إلى التوحيد . قال في كتاب " حقيقة اليقين " واصفا إحدى تلك الحالات : " غيّبني وارد الوقت عن الأكوان ، وأخرجني بالكلية عن عالم الحدثان ، فأشهدني صفاتي ، وأوجدني ذاتي ، ثم نقلني مني إليّ في أطوار كثيرة لي عندي ولديّ . فلما قمت على صراطي المستقيم وحفظت شروط ذلك العهد القديم ، وضعت إحدى القدمين في حضرة العين ، والآخر في عالم الأين ( يعني أنه عرف الأشياء على حقيقتها دون تحديد بزمان أو مكان ) ففتح لي في الأفق الأعلى ذلك الباب ، فولجت في عالمي وعقدت حوّاي بآدمي " « 2 » . وتبرز لنا أهمية هذه الفترة في حياة الجيلي من تأكيده هو نفسه عليها في أكثر من موضع ، وذلك اعترافا بفضل شيخه الجبرتي فيقول : " أقمت فيه بزبيد شهر ربيع الأول من سنة ثمانمائة من الهجرة النبويّة ( 1397 م ) ، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والملائكة . . . ورأيت روحانيات الموجودات جميعا ، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه في الأزل إلى الأبد ، وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون إن نذكرها فيه " « 3 » . ويعترف الجيلي بأهمية الجبرتي في حياته الصوفية في " إنسانه الكامل " بأن تفكيره كاد أن يزلّ في بعض الأحيان ، وأن يضلّ ، وأن الشرّ كان يظهر له في صورة الصواب لولا أن أدركه شيخه الجبرتي وأعاده إلى صراطه المستقيم فقال : " ولقد كنت غرقت في هذا البحر الغزير ، وكاد يهلكني موجه في قعره الخطير ، وأنا يومئذ في سماع بمدينة زبيد عام 779 ه ، وكان هذا السماع في بيت أخينا الشيخ العارف شهاب
--> ( 1 ) نيكلسون ، الصوفية في الإسلام ، ترجمة نور الدين شربية ، مصر ، 1951 ، ص 52 . ( 2 ) الجيلي ، حقيقة اليقين وزلفة التمكين ، ورقة 5 - 6 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 60 .