سهيلة عبد الباعث الترجمان
44
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لقد جلبت له سياحاته وأسفاره شهرة كبيرة ، فضلا عما كان يجنيه من المعارف الصوفية والعلوم الإلهية ، فذاع صيته بين البلدان القريبة من إشبيلية ، ولقيه بها كثير من الشيوخ الذين سمعوا بعلو كعبه في الطريق الصوفي ، فقصدوا إليه طلبا للتعرف به والإفادة من علمه وخبرته « 1 » ، وهكذا غدا ابن عربي معلما وناشرا لهذا العلم بين مدن الأندلس وقراها ، وقد رحل إليه في إشبيلية عالم من قبرفيق ( قرية قريبة من رندة ) عارضا عليه مشكلة صوفية ومستأنسا برأيه فيها ، وقد عمل ابن عربي على هدايته لما كان يعتقده من آراء مبتدعة في الاعتزال ، فقصد بلدته قبرفيق ودخل في جدال في مدرسته بحضور كثير من أتباعه وتلاميذه حتى نجح في مسعاه ، ورجع الشيخ وتلاميذه عن معتقداتهم الباطلة . وقد أخبر ابن عربي عن هذا الواقع فقال : " من ذلك علم الاسم القيّوم ، واختلف فيه أصحابنا : هل يتخلّق به أم لا ؟ فكان الشيخ أبو عبد اللّه جبر القبر فيقي من كبار مشايخ هذه الطريقة بالأندلس ، وكان معتزليا ، يمنع التخلّق به ، وفاوضته في ذلك مرارا في مجلسه بحضور أصحابه بقبرفيق بالأندلس من أعمال رندة إلى أن رجع إلى قولتنا من التخلّق بالاسم القيوم كسائر الأسماء الإلهية « 2 » . ويزيد على ذلك موضحا : " فلم أزل به ألاطفه في أصحابه وأتباعه بقريته لكونه كان معتزلي المذهب حتى انكشف له الأمر ، فرجع عن مذهب أهل الاعتزال القائلين بإنفاذ الوعيد ، وبخلق الأفعال ، وعرف محل ذلك فأنزله في موضعه . . وشكرني على ذلك ، ورجع برجوعه جميع أصحابه وأتباعه ، وحينئذ فارقته " « 3 » . لم يطل مقام ابن عربي في إشبيلية ، ولم يقنع بحدود بلاده الضيّقة ، فارتحل عنها إلى إفريقية قبل سنة 590 ه ، قاصدا لقاء الشيخ الإشبيلي الكبير أبي مدين الذي كان قد أقام مدرسة صوفية في مدينة بجّاية ، والذي اعتبره ابن عربي من أكابر أساتذته كما ذكر ذلك في " الفتوحات " « 4 » و " محاضرة الأبرار " « 5 » و " مواقع
--> ( 1 ) فرغلي ( عبد الحفيظ ) ، الشيخ الأكبر ، مرجع سابق ، ص 43 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ( بولاق ) ، ص 58 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 58 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص . ص 288 ، 318 ، 330 ، 838 . ( 5 ) ابن عربي ، محاضرة الأبرار ، الجزء الأول ، ص . ص 76 ، 145 ، 171 ، 178 .