سهيلة عبد الباعث الترجمان

519

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

صرّح بذلك في أمره لرسوله عليه السلام وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 1 » والمراد بهذه الزيادة العلم المتعلق بالإله ليزيد معرفة بتوحيد الكثرة فتزيد رغبته تحميده " « 2 » . ويحدد ابن عربي طريقه إلى تحقيق ذلك العلم اللدنّي بتفريغ القلب من كل علم سابق فيقول : " وليس له طريق إلى ذلك إلا بأن يترك جميع المعلومات وجميع العالم من خاطره ، ويجلس فارغ القلب مع اللّه بحضور ومراقبة وسكينة وذكر إلهي بالاسم " اللّه " ذكر القلب ، ولا ينظر في دليل يوصله إلى علمه باللّه ، فإذا لزم الباب وأدمن القرع بالذكر ، وهذه هي الرحمة التي يؤتيه اللّه من عنده ، أعني توفيقه وإلهامه لما ذكرناه ، فتولى الحق تعليمه شهودا كما يتولّى أهل اللّه كالخضر وغيره ، فيعلّمه من لدنه علما ، قال تعالى : و آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 3 » من الوجه الخاص الذي بينه وبين اللّه . وهو لكل مخلوق ، إذ يستحيل أن يكون للأسباب أثر في المسببات ، فإن ذلك لسان الظاهر ، والتكوين ليس في الحقيقة إلا عن الإذن الإلهي ، وهذا وجه لا يطلع عليه من العبيد نبي مرسل ولا ملك مقرّب من أحد . . . وما من مخلوق إلا وله ذلك الوجه ويعلّمه اللّه منه أمورا كثيرة ، ولكن لا يعرف بعض العبيد أنه أتاه ذلك العلم من ذلك الوجه ، وهو كل علم ضروري يجده لا يتقدم له فيه فكر ولا تدبّر ، وصاحب العناية يعلم أن اللّه أعطاه إياه . . . فإذا علم الأشياء كلها من هذا الوجه فهو ملازم لتلك المشاهدة والشؤون الإلهية ، والأشياء تتكون عن اللّه وهو ينظر إليها ، فلا تشغله مع كثرة ما يشاهد من الكائنات في العالم " « 4 » . فكل ما ناله ابن عربي إذن كان نتيجة سلوك معين حصله بفضل مجاهداته حتى وصل إلى الباب الذي يصل إليه كل سالك ، وهو باب العطايا والمنح الإلهية بحكم العناية والاختصاص لا بحكم الاكتساب . فهو باب قبول لا ردّ فيه لسائل ، يقول : كل باب إذا وصلت إليه * أمكن الردّ والقبول جميعا

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 114 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 57 . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية : 65 ك . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص . ص 558 - 559 .