سهيلة عبد الباعث الترجمان

517

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويجدر بنا بعد هذا العرض لآراء ابن عربي أن نحدد موقفه من الفلسفة والفلاسفة : هل هو حقا فيلسوف يعتمد على العقل والمنطق ويلتزم الطريق الفلسفي في مناقشته للأمور ؟ أي هل كان استدلاله على الحقيقة بالعقل والنظر ؟ أم هل جمع بين التصوف والتفلسف كما تعارف عليه المستشرقون وكثير من الباحثين فجعلوه فيلسوفا رغم ما صرّح به من الحقائق الإلهية والأسرار الربانية ، والتزامه بالمنهج الذوقي الكشفي الشهودي ؟ ليس أدلّ على بطلان ما يدعيه المنكرون عليه تصوفه ، وما يسوقونه من افتراءات وترهات ضد تصوفه إلا ما جاء في كتبه عن أصول التصوف والعرفان ، ومصدر ذلك كله صفاء القلب حيث يقول أنه لم ينل علمه إلا من الحق حيث قال : " فإن الحق تعالى الذي نأخذ العلوم منه بخلو القلب عن الفكر والاستعداد لقبول الواردات الإلهية . . . " « 1 » . ولذلك يدفع ابن عربي تهمة التفلسف عن نفسه مبينا الفرق بين من كان معلمه اللّه ومن كان معلمه غيره ، مبينا مدى التفاوت بين الاثنين في العلوم فقال : " وفيه علم الفرق بين من كان معلمه اللّه ، ومن كان معلمه نظره الفكري ، ومن كان معلمه مخلوق مثله . فإما صاحب نظر فيلحق بمعلمه ، وإما صاحب إلقاء إلهي فيلحق بمعلمه ولا سيما في العلم الإلهي الذي لا يعلم في الحقيقة إلّا بإعلامه ، فإنه يعزّ أن يدرك بالإعلام الإلهي ، فكيف بالنظر الفكري ؟ ولذلك نهى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن التفكير في ذات اللّه ، وقد غفل الناس عن هذا القدر ، فما منهم من سلم من التفكير فيها والحكم عليها من حيث الفكر ، وليس لأبي حامد الغزالي عندنا زلّة بحمد اللّه أكبر من هذه ، فإنه تكلم في ذات اللّه من حيث النظر الفكري " في المضنون به على غير أهله . . ولما أعلمنا اللّه به من ذلك احتاجوا لما أعطاهم الفكر خلاف ما وقع به الإعلام الإلهي إلى تأويل بعيد لينصروا جانب الفكر على جانب إعلام اللّه عن نفسه ما ينبغي أن ينسب إليه . . . فما رأيت أحدا وقف موقف أدب في ذلك إلا خاض فيه على عماية ، إلا القليل من أهل اللّه لما سمعوا ما جاءت به رسله صلوات اللّه عليهم فيما وصف به نفسه ، وكلوا علم ذلك إليه ولم يتأولّوا حتى

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 70 .