سهيلة عبد الباعث الترجمان

504

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

دون حيرة فقال : " فمن هناك هو علمنا ، والحق سبحانه معلمنا ورثا نبويا محفوظا معصوما من الخلل والإجماع والرموز والإلغاز والتورية . . . والحق تعالى وهّاب على الدوام فيّاض على الاستمرار ، والمحل قابل على الدوام ، فإما يقبل العلم وإما يقبل الجهل " « 1 » ولهذا خلا القلب من كل علم ، وعكف على باب الحق فقال : " وإنما قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب ، فقيرة خالية من كل علم ، لو سئلت في ذلك المقام عن شيء ما سمعت لفقدها إحساسها ، فما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله . . . بل ما ثمّ أغرب . . . أن يلقى إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهية غابت عن الخلق " « 2 » . ومن هنا نرى أنه لم يكن إلّا مترجما لما فتح عليه الحق وكاشفه به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو منبع العلم الباطن ومصدر نور المعرفة ، فهذا ليس بوحي إنما هو العلم اللّدنيّ الذي ألقي في القلب دون تكسب أو تعمّل به ، بل حصل له وهبا حيث يقول : ولا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزّل به عليّ ، ولست بنبيّ ولا رسول ، ولكن وارث ولآخرتي حارث " « 3 » وبذلك وصف نفسه بالكمال والتعالي عما نسب إليه من الأخذ بعلم الفكر النظري ، ووصف الواصل المتحقق بالعلم الإلهي بالكمال أيضا لنيله علومه بالكشف وليس بالعقل ، فجعل كل من يقف على الحقائق كشفا أو تعريفا إلهيا هو الكامل الأكمل ، أما صاحب النظر العقلي فلا دخول له في هذا الكمال « 4 » ، ولذلك يجعل مصدر علمه " اللّه " وحده دون أي شيء آخر مشيرا إلى ما يوجد من آيات العلم والمعرفة التي تدعو إلى التفكّر في الذات الإلهية فيقول : " إن اللّه ما ذكر لنا الآيات في العالم وفي أنفسنا ، إذ نحن من العالم ، إلّا لنصرف نظرنا إليه ذكرا ، وفكرا ، وعقلا ، وإيمانا ، وعلما ، وسمعا ، وبصرا ، ونهى ولبّا . . . وما أحالنا في ذلك على شيء إلّا على النظر في العالم لنجعله عين الآيات والدلالات على العلم به مشاهدة وعقلا ، فإن نظرنا فإليه ، وإن سمعنا فمنه ،

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 56 - 57 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 59 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 9 . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 525 .