سهيلة عبد الباعث الترجمان

493

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وخلاصة الأمر لا بد لنا أن نعرف كيف حقق ابن عربي هذه المعرفة بالحقيقة الإلهية ؟ وما هي الطريقة التي سلكها لتحقيق هذه المعرفة للأسرار المنطوية عليها حقيقة الذات الإلهية ؟ فلا بد والحالة هذه من ربط الشريعة والحقيقة بالطريقة التي نهجها للوصول إلى ذلك وهي المعراج الروحي الذي ارتكز على شفافية الروح وتخلصها من أدران المادة ومعوّقاتها . الطريق الصوفي ( المعراج أو السّلم الروحي ) عند ابن عربي : أثّر محي الدين بن عربي الملقّب بالشيخ الأكبر تأثيرا بالغا فيمن جاء بعده من أهل الطريق ، لا سيما في السلوك العملي وقواعد التربية الصوفية ، فقد انتظم في جماعة مارست الرياضات والمجاهدات والمعاملات الروحية ، وعرفت طريقته بالطريقة الأكبرية . والطريقة بهذا المعنى ليست سوى المعراج الروحي عند الصوفية ، وهي التي أطلقوا عليها " السّفر " و " السّلوك " و " المعراج " وقد قسموها إلى مقامات وأحوال ، على الصوفي اجتيازها وقطع عقباتها ، فلا يجد ما يعبر عنها سوى لغة الرمز والإشارة التي يستخدمها عادة فيما ينكشف له من الحقائق والأسرار الإلهية ، فيكنّي بها بأسماء مثل هند وليلى ، وهو في الواقع يقصد الذات الإلهية المتجليّة في صور الموجودات التي يدركها . وللصوفية في هذا المجال نظرتان : الأولى طريق عروج من عالم الظاهر إلى عالم الحقيقة ، والثانية تحوّل باطني وتغيّر في الصفات وتهيؤ في النفس يمكّنها من الاتصال بمحبوبها الأعظم - اللّه - ولا يتم لها هذا إلّا بالفناء عن صفاتها والتحرر من قيودها ، فيتم لها أثناء عروجها التطهر من أدران المادة وشوائب النفس وعوائقها . والأساس الذي ترتكز عليه هاتين النظرتين هو واحد ، ذلك أن اللّه أو الحقيقة الوجودية المطلقة هو أصل كل موجود ومصدره « 1 » ، وقد أشار ابن عربي إلى الطريقة التي سلكها في معراجه الروحي وذلك بجمعه بين الحقيقة والطريقة فقال : من ظنّ أن طريق أرباب العلى * قول فجهل حائل وتعذّر إن السبيل إلى الإله عناية * منه بمن قد شاءه ويقدّر

--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف في الثورة الروحية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 133 .