سهيلة عبد الباعث الترجمان
466
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
محددا وحدانية الحق وتنوع العبادات له فيقول : " بأن الحق واحد ، والاعتقادات تنوعه وتفرّقه وتجمّعه ، وهو في نفسه لا يتبدل ، وهو في عينه لا يتحول ، كما أنه يحصره الأين ، ويحده الانقلاب من عين إلى عين ، فلا يحار فيه إلّا النّبيه ، ولا يتفطّن إلّا من آمن بما ورد من التنزيه والتشبيه ، أما من نزه فقط أو شبه فقط ، فهو صاحب غلط لأن التشبيه تنزّل للعقول وتمهيد للقبول " « 1 » . وهو في كل ذلك يستند إلى نصوص القرآن الكريم ، متلمسا صدق قوله مما نصت عليه الآيات البينات في أمر الدين ومن حيث صلتها بعبادة اللّه فيقول في مذهب المحمديين وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 2 » أي حكم ، فالعالم يعلم من عبد ، وفي أي صورة ظهر من عبد " « 3 » ومن هنا جاءت دعوته أنّ للحق وجها في كل معبود ، وما عبد أحد من معبود إلّا وكان للحق فيه وجها يعبد " وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة ، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ، فما عبد غير اللّه في كل معبود ، فالأدنى من تخيّل فيه الألوهية . . . والأعلى ما تخيّل بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر ، فالأدنى صاحب التخيل يقول : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى « 4 » والأعلى العالم ، يقول : فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا « 5 » حيث ظهر وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ « 6 » الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا " إلها " ولم يقولوا طبيعة ، وقد أضلّوا كثيرا أي حيّروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب " « 7 » . ويذهب القاشاني إلى القول في معنى ذلك أن للحق في كل معبود وجها ، ويرى أن تقريره في المحمديين بأن قضاء اللّه وحكمه ألّا يعبدوا إلّا إياه ، فهو رب الكل ، وأنه لا موجود سواه ، فلا يرى في صورة الكثرة إلّا وجهه ، فيعلم عندئذ أنه هو الذي ظهر
--> ( 1 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، الجزء الثاني ، ص 155 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 ك . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 4 ) سورة الزمر ، الآية : 3 ك . ( 5 ) سورة الحج ، الآية : 34 م . ( 6 ) نفس السورة السابقة ونفس الآية . ( 7 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، ص 72 .