سهيلة عبد الباعث الترجمان
453
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فرق بينهما إلّا من حيث وجهة النظر الاعتبارية ، بمعنى أننا إذا نظرنا إلى أحدهما نسميه ربا وإذا نظرنا إلى آخر نسميه عبدا ، والحقيقة الواقعة هي أنهما في حقيقتهما عين واحدة ، على حين يرى آخرون أن مذهبه كان في إحدى ناحيتيه صورة للوحدة الشهودية لما انطوى عليه هذا المذهب من القول بالتجلي الذي يعتبر أبعد ما يكون عن القول بالحلول . ولكن ابن عربي بصراحته المعروفة قد ربط بين الوحدتين بحيث لا تنفصلان ، بل يكمل إحداها الآخر لقوله : " لا يعرف الوجود إلا أهل الشهود ، وأن العين تثبت العين " « 1 » وهذا أصدق دليل على شهوده للوجود قبل قوله بالوحدة للوجود ، وفي هذا القول دلالة واضحة على موقفه الثابت في تكامل الوحدتين ، حيث أنه حين يتم الكشف الروحي ويرتفع الحجاب ، ويحصل العلم الشهودي والعرفان الذوقي لدى العبد فإنه يستطيع أن يشهد الوجود الواحد الحق المتجلي في صور المرئيات كما هي الحال في الأعيان الثابتة - في الوجود الواحد الحق - كما يقول ابن عربي ، وإن كان بعضهم قد ذهب إلى أنه متأثر بمذهب الأفلاطونية المحدثة خاصة لدى فيلسوفها أفلوطين ، والذي تتجه فلسفته وجهة إشراقية روحانية . بيد أن هذا كله لا ينفي كون ابن عربي صوفيا ، سواء أكان في مذهبه عن وحدة الشهود أو وحدة الوجود ، وهذا يدعونا إلى القول بأن شهود ابن عربي قد ارتبط ارتباطا كليا بالمحبة التي هي في واقع الأمر تعبير ضمني عن حب الذات الإلهية وآثارها المتجلية في جمال " النظّام " كأثر من آثار هذه الذات . فكان حب " النظّام " أشبه بجسر عبر عليه للوصول إلى المحبة الإلهية . وكانت المعاناة التي عاناها هي التجربة الروحية المتجهة إلى الأعلى ، فجاءت معبّرة أصدق تعبير عن هذا الشهود ، وهذا ما أشار إليه مذهبه في وحدة الوجود لجمعه بين وجهي الحقيقة الوجودية . فكان وجه النظّام الوجه الخلقي ، وشهود الحق المتجلي فيها هو الوجه الحقي ، وبهذا يكون قد انتهى إلى الوحدة الشهودية التي هامت فيها روحه المتعطشة للجمال الإلهي ، وتاهت في غياهب جمالها وما تجلى له من المظاهر الإلهية ، معبرا عنها بلغته الرمزية وإشاراته الصوفية أصدق تعبير بما يحفظ للقوم علومهم وأسرارهم وصيانتها عمن
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 39 .