سهيلة عبد الباعث الترجمان
449
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
في تثبيت قوله هذا : أي أن العبد بعد فنائه يصبح عين الحق لا صفته ، ومن حيث ذاته يصبح عينه الثابتة في العلم الإلهي « 1 » . ولذلك وصف هذه الصلة التي تجمع بين الحق والخلق بأنها مشاهدة وليست حلول . فهي مشاهدة للحق حيث تظهر وحدة الشهود على أوضح معانيها في ما يرمي إليه من القول " بالوصلة " بين الحق والخلق ، وذلك في حال الجمع وهو الفناء في اللّه ، والاستغراق الكامل في حبه ، لذا فهو يفرق بين حال العبد في حال الجمع وحال الفرق وما يصل إليه من شهود فيقول في حق العبد أنه إذا جمعه الحق به فرّقه عن نفسه ، فيؤثّر في الوجود . أما في حال الفرق فإنه يجمعه بنفسه ويفرّقه عن الحق فيكون في مقام العبودية وفي هذا تحديد لموقف الشهود للحق فيقول : " ولا يخفى أنّ جمعك بك أعلى من جمعك به ، لأن جمعك بك يكون الحق مشهودك ، وفي جمعك به غيّبتك عنك باشتغالك به عن مقام عبوديتك " « 2 » . وقد حذّر ابن عربي صاحب الجمع من القول بالاتحاد في حالة الشهود كي لا يقع في شرك الضّلال فقال : " إحذر أن تدّعي الوصلة وجمع الشمل ، فإني أخاف عليك أن يكون جمعك بك لا به فتكون في عين الفصل والفراق ، فلا تغالط نفسك " « 3 » وهو في هذا يستدل على صدق المشاهدة بما يصدر عن العبد من أقوال إذ أن اللّه عند لسان كل قائل ، واللسان هو المتكلم لقوله : " كنت سمعه الذي يسمع به ولسانه الذي يتكلم به " الحديث « 4 » . كما أنه يميز بين صدق المشاهدة وكذبها بما يصدر عن صاحبها من قوة الإيمان أو ضعفه من حيث تجلي الحق له فيقول : " فمن كذّب العيان كان قوي الإيمان ، ومن تردد في الإيمان تردد في العيان ، فلا إيمان عنده ولا عيان ، ومن صدّق العيان وسلّم الإيمان كان في أماني اللسان ترجمان الجنان ، وما وسع الرب إلّا القلب ، وأنت ترجمان الحق إلى الخلق ، فأين الكذب عند هذه المشاهدة وما ثمّ ناطق إلّا الحق الصمد الواحد " « 5 » . ولقد ذهب بعض الصوفية إلى تصديق هذه المشاهدة بما يرسمونه من صور
--> ( 1 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، مرجع سابق ، ص 319 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت ، الجزء الثاني ، ص 179 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 177 . ( 4 ) الحديث : " كنت كنزا مخفيا . . . " سبق تخريجه . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 137 .