سهيلة عبد الباعث الترجمان

35

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العريبيّ ، كان ذا دلالة على قوة مكانته ورفعة منزلته ، وما قد يحققه من عظيم شأن في الطريق ، وقد أخبر ابن عربي عن موقفه هذا إثر خلافه مع شيخه العريبيّ فقال عنه : " اتفق لنا في شأنه أمر عجيب ، ذلك أن شيخنا أبا العباس العريبيّ جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص كان قد بشّر بظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . فتوقفت فيه ولم آخذ بالقبول . . . ولا شك أن الشيخ رجع سهمه عليه فتأذّى في باطنه . . . ولما كنت في الطريق لقيني شخص لا أعرفه ، فسلّم . . . وقال . . يا محمد : صدّق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان . . . فقلت له نعم وعلمت ما أراد . . . فقال لي : سلّم إلى الشيخ مقالته " فرجعت في حيني ، فلما دخلت عليه منزله . . . قال : يا محمد أأحتاج في كل مسألة تنازعني فيها أن يوصيك الخضر بالتسليم للشيوخ ؟ فقلت : يا سيدنا : ذلك هو الخضر الذي أوصاني ؟ قال نعم . قلت له : الحمد للّه هذه فائدة ، ومع هذا فما هو الأمر إلا كما ذكرت لك " « 1 » . وقد عدّ بعض المحققين الخضر من شيوخ ابن عربي ، فقد اجتمع به كثيرا ، وانطلق في طريقه وقد وضح هدفه . وقد حرص على الانتفاع بتوجيهات شيوخه والإفادة من كل من يلقاه من أهل الطريق ، فتعلّم من ذلك علوما جمّة واستفاد فوائد كثيرة ، وعرف كيف يسوس وكيف يربي إرادته ويجمع همّه ويصبر في الشدّة ، وكيف يزهد عن ملك ويعف عن مقدرة ، وكيف يجود بما عنده ويؤثر غيره على نفسه ، وقد رفع ذلك من همّته فرمى بقصده إلى اللّه عن طريق الحب يعرفه ، أو عن طريق المعرفة يحبه « 2 » . من هؤلاء جميعا تلقّن ابن عربي فنّ " الحكمة الصوفية " وتلقّى دروسا في الطريق وآدابها ، وكوّن شخصية فذّة أشرقت في ميدان التصوف . فكان لها الإنتاج الغزير الوافر الذي لم يكن لأحد مثله ، هكذا تمّ لابن عربي تكوينه الصوفي ، وأصبح قادرا على أن يقرر طريقه فيه ، وأن ينهج نهجه الخاص به . وكان للسياحة أثرها الأكبر في تكوينه الصوفي هذا ، فقد قضى حياته كلها في سياحة مستمرة ، قلقة ، جال فيها خلال جميع البلاد الإسلامية في مغربها ومشرقها ،

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 443 . ( انظر أسين بلاثيوس ، ص . ص 23 - 24 ) . ( 2 ) فرغلي ( عبد الحفيظ ) ، مرجع سابق ، ص 40 وما بعدها .