سهيلة عبد الباعث الترجمان

430

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويقول : " ما شاهدت معبودا في الصور الكونية أعظم منه " « 1 » . وهكذا نجد أن الحب الموجّه عنده إلى الصور الكونية لا يختلف في حقيقته عن الحب الموجه إلى الذات العليّة التي تصدر عنها هذه الصور الكونية ، وإنما الاختلاف واقع بين المحبين ، إذ أن محبّي الصور الكونية يتعشقون الكون في حين أن محبّي الذات العلية يتعشّقون العين ، والشروط واللوازم والأسباب في كل من الحبيبين واحدة « 2 » . فالمحبوب والحالة هذه لا يقتصر وجوده على صورة واحدة ، ولا يجدر بالعابد أن يقصره على صورة بعينها ، إنما الصوفي الصادق من يرى اللّه في كل صورة معبودة ، وينظر إلى معبوده الخاص من حيث أنه واحد من صور المعبود اللامتناهي المتجلي في قلب العابد فيما لا يتناهى من المجالي « 3 » . وهكذا فإنّ كل محبوب مجلى أو مظهر للمحبوب على الإطلاق ، وهو الحق ، ولهذا يرى ابن عربي أن المحبوب على الحقيقة إنما هو الحق المتجلي فيما لا يتناهى من صور الجمال سواء أكانت هذه الصور حسية أو معنوية أم روحية ، وهو في استخدامه للرمز إنما يرمز بالاسم إلى حقيقة المسمى ، وبالصورة إلى صاحب الصورة ولهذا قال بعض الصوفية عنه قوله : صحّ عند الناس أني عاشق * غير أن لم يعرفوا عشقي لمن « 4 » ؟ وفي هذا دلالة على تكتّمه في حبه وتعشّقه وعدم بوحه به بحيث يبدو مبهما ولا يدري أحد لمن يتوجه في حبه وعشقه ، وهذا من الأسرار التي انطوى عليها مذهبه في الباطن ، فكان حبه وتعشقه للذات الإلهية في ذلك متعديا كل حدود ومتخطيا لتعاليم الأديان كي يضع دينا عالميا واحدا يجمعه الحب الإلهي ، ويجعل الذات الإلهية مبتغاه ومبتغى كل عبادة في كل دين وهذا ما أشار إليه بقوله : " أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه " وهذا دليل انفتاح على الأديان جميعها واعتبار كل عبادة فيها صحيحة لأنها تعبّر عن مجلى من المجالي المتعددة للذات الإلهية ، وإن كان في هذا شيء من

--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 288 . ( 2 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، مرجع سابق ، ص 165 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، ص 239 . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص المحمدي ، ص 218 .