سهيلة عبد الباعث الترجمان
416
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وإذا عرضنا لمعنى الفناء عند ابن عربي وموقفه مما قيل فيه ومدى موافقته أو مغايرته له فنرى أنه إن تكلم عن الفناء والبقاء بالمعنى الصوفي فإنه يعني به معنى آخر ، وهو الفناء عن الجهل بالوحدة الذاتية للموجودات والبقاء بالعلم بهذه الوحدة ، والواقع أن ابن عربي لم يعتمد العقل وسيلة في هذا الفناء إنما هو يعتمد الكشف وسيلة للمعرفة ، كما صرح في أكثر من موقف بأن علوم هذه الطائفة ليست من قبيل الأخذ عن الآخرين ، إنما هو علم وهبي من اللّه ، يحدث بالتجلي على القلوب عندما تصفو وتصبح في شفافية روحية بعيدة عن المادة ، فيفنى العبد عن نفسه وتقوم فيه المعاني على حسب ما يتجلى عليه الحق وبالشكل الذي يريده فيقول : " إن علومنا غير مقتنصة من الألفاظ ولا من أفواه الرجال ، ولا من بطون الدفاتر والطروس ، بل علومنا عن تجليات على القلب عند غلبة سلطان الوجد وحالة الفناء « * » بالوجود ، فتقوم المعاني مثلا وغير مثل على حسب الحضرة التي فيها التنزّل منها . فمنها ما يقع من باب المحادثة ، ومنها ما يقع من باب المسامرة ، ومنها ما ينقال من باب ما لا ينقال " « 1 » . وترتبط فكرة الفناء بمذهب وحدة الوجود بحيث يكون هذا الفناء فناء تاما كاملا أي محقا للكون ، وهذا يعني وجود العبد في ذات الحق فيظهر لنا بذلك حقيقة الوجود بوجهيه الحقي والخلقي ، يقول : فناء الكون في الأعيان محق « * * » * وعين الكون حق ثم خلق فإن قام الدليل على وجودي * يقوم بذات من يعنيه محق وإني بالذي يحويه كوني * من أسماء الحقيقة فيّ سبق « 2 » فهذه الصورة تشير إلى حالة خصوصية إذ أن المحق لا يفوز به إلا الخصوص ، وهو للنفوس المنوّرة ، وهذه تسمى " خلوة « * * * » الحق " « 3 » .
--> ( * ) رؤية العبد للعلة بقيام اللّه على كل شيء ( كتاب اصطلاح الصوفية ، ابن عربي ، ص 6 ) . ( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، الجزء الثاني ، ص . ص 6 - 7 . ( * * ) المحق فناؤك في عينه ، ( كتاب اصطلاح الصوفية ، ص 9 ) . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 731 . ( * * * ) الخلوة - خلوة الحق - محادثة السر مع الحق حيث لا ملك ولا أحد ، ( كتاب اصطلاحات الصوفية ، ص 13 ) . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 731 .