سهيلة عبد الباعث الترجمان
32
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أما الصالحة الثانية فهي شمس أم الفقراء ب - " مرشانة الزيتون " فقد كانت لها بركات كثيرة ، وكانت متمكّنة في باب الكشف ، ويخبرنا ابن عربي عنها قائلا : " ومنهم رضي اللّه عنهم شمس أم الفقراء بمرشانة الزيتون اختلفت إليها مرارا ، ما لقيت في الرجال مثلها في الحمل على نفسها ، كبيرة الشأن في المعاملات والمكاشفات قوية القلب ، لها همة شريفة ، ولها التمييز ، تستر حالها جدا ، كانت تبدي منه في السراء شيئا إليّ لما حصل عندها مني من المكانة ، وكنت افرح لها بذلك ، لها بركات كثيرة ظاهرة ، اختبرتها مرارا في باب الكشف فوجدتها متمكنة ، الغالب عليها الخوف والرضى ، وتحصيل هذين المقامين في وقت واحد عندنا عجيب يكاد لا يتصور " « 1 » . وقد ترك هؤلاء وغيرهم من شيوخه في الطريق أثرا في نفسه نظرا لما تختلف عليه مشاربهم وأذواقهم . وقد رسم ابن عربي على ضوء لقائه للشيوخ طريقه ومذهبه ، فاستنار سبيله ، ووضحت محجّته ، فأخذ يضيف إلى زاده ما يراه نافعا له في رحلته ، ومعينا له على اجتياز عقبات الطريق ، لذلك نراه يدقق في محاسبة نفسه ، فلا يكتفي بمحاسبتها على الأقوال والأفعال كما فعل أبو عبد اللّه ابن المجاهد وأبو عبد اللّه ابن قيسوم لكنه زاد عليهما في التدقيق ، فيحاسب نفسه على الخواطر ، وتلك نهاية الورع . وما أحسب أن وصل إليها أحد إلا من كان في مرتبة الصديقين « 2 » . ولا يفوتنا أن نذكر من هؤلاء الشيوخ من أرشد ابن عربي إلى الزهد في الشهوات ذلك أنه عمل على تكوين روحه منذ سنوات شبابه بالزهد في الشهوات نماذج رائعة قدّمها زهّاد إشبيلية وعلى رأسهم جميعا عبد اللّه المغاوري ، وأبو محمد هذا شيخ جليل له كلام رائع وتوجيهات كريمة منها قوله يوصي أبا الحسن الإشبيلي : " آمرك بخمس وأنهاك عن خمس ، آمرك باحتمال أذى الخلق ، وإدخال الراحة على الإخوان وأن تكون أذنا لا لسانا ، والخامس أن تكون مع الناس على نفسك . . . " فما أجدر ابن
--> ( 1 ) ابن عربي ، رسالة روح القدس ، ص 137 . ( 2 ) ابن عربي ، رسالة روح القدس ، ص 7 ، راجع بن الأبّار : التكملة برقم 779 ، 899 . ( وانظر عبد الحفيظ فرغلي ، مرجع سابق ، ص 38 ) .