سهيلة عبد الباعث الترجمان
406
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فمشيئة الحق في الأمور عين ما هي الأمور عليه . . . فهو لا يقبل التبديل ، فهو غير مشاء بمشيئة ليست عينه ، فالمشيئة عينه ، فلا تابع ولا متبوع ، فتحفّظ عن الوهم فإن له سلطانا قويا في النفس يحول بينها وبين العلم الصحيح الذي يعطيه العقل السليم " « 1 » . واستنادا إلى كل ما جاء به ابن عربي ، فهو يخالف آراء علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة على حد سواء حول خلق العبد لأفعاله وغير ذلك ، فالمعتزلة وجدوا أفعال العباد للعباد ، فما جعلوهم شركاء ، إنما أضافوا الفعل إليهم عقلا وصدقهم الشرع في ذلك . كذلك الأشاعرة وجدوا فعل الممكنات جميعها من غير تقسيم للّه تعالى عقلا وساعدهم الشرع على ذلك ، وإن كانت حجج المعتزلة في هذا الأمر أقوى في الظاهر ، لكن ما ذهبت إليه الأشاعرة هو أقوى عند أهل الكشف من أهل اللّه . ورغم أن كلتا الطائفتين موحدة ، إنما قول المشرك لا يؤخذ به لكون الموجود لا يتصف إلا بإيجاد واحد ، والقدرة الإلهية ليس لها في الأمر سوى إيجاد الأعيان . وهكذا ينتفي وجود موجود بوجودين إذ لا يمكن التعلق بقدرتين لإيجاده ، فلكل منها دورها في إعطاء الوجود للموجود بحيث لا تعارضه الأخرى ولا تترك فيه من أثر مبطل إذا حققت الشركة في الفعل ، ولهذا يرى في الحركة التي يتم بها ذلك إنما هي حركة طبيعية اختيارية كي يتم بها إظهار الأسرار عن الأمر الإلهي . وأن سبب وجود كل شيء هو نتيجة صدور ذلك الأمر الإلهي في عالم الأنفاس « 2 » . ولقد أشار ابن عربي إلى هذه الجبرية بقوله : حيّرت في حيرة صدرت * ليت شعري ثمّ من لا يحار أنا مجبور ولا فعل لي * والذي أفعله باضطرار أنا إن قلت أنا قال لا * وهو إن قال أنا لا يغار والذي أسند فعلي له * ليس من أفعاله بالخيار فأنا وهو على نقطة * ثبتت لسر ليس لها من قرار « 3 »
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 468 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 832 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 802 . وانظر أيضا كتاب الجلالة ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، ص 2 .