سهيلة عبد الباعث الترجمان
399
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أن يخلق خلقه " « 1 » . ولو كان الزمان أمرا وجوديا في نفسه ما صح تنزيه الحق عن التقييد إذ كان حكم الزمان يقيده ، فعرفنا أن هذه الصيغ ما تحتها أمر وجودي " « 2 » . وبهذا يثبت الأزل للذات والقدم ، فالحق قديم لا أول لوجوده ، لأنه يستحيل عليه المسبوقية بالعدم ، وقد جاء في قوله عزّ وجلّ بأنه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ « 3 » فلا بد أن أوليته المقصودة هنا ليست هي المعنى المستفاد من أقواله بأن الحق قديم أي لا أول لوجوده ، إنما المقصود بها أنه مبدأ الوجود والأصل الذي صدر عنه كل موجود ، ومن هنا جاء تمييزه بين الأولية والآخرية من حيث الوجود فنقول في حقه تعالى : " فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ، ولهذا قيل فيه الآخر ، فلو كانت أوليته وجود تقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد ، لا ، لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية ، فلا آخر لها ، وإنما كان آخر لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا ، فهو الآخر في عين أوليته ، والأول في عين آخريته " « 4 » والمقصود من قوله بالأخرية هو رجوع كل موجود في أخر أمره إلى اللّه تعالى كما قال وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ « 5 » ولهذا قال فهو الأول في عين آخريته أي أن أولية الحق وآخريته يرجعان إلى أمر واحد وهو افتقار الموجودات إليه . كذلك من وجه آخر فإن ما يسمى به الحق أزلا بأنه الظاهر والباطن لما جاء في تسميته نفسه وهو الظَّاهِرُ وَالْباطِنُ « 6 » ، فإنه كما كان الأول والآخر فإنه أيضا ظاهر كل أمر وباطنه ، وقد أشار إلى ذلك رمزا في ترجمان الأشواق إذ قال : ما عسعس الليل إلّا جاء يعقبه * نفّس الصبح معلوم من الحقب « 7 »
--> ( 1 ) الحديث : أخرجه الترمذي في جامعه في التفسير وابن ماجة في المقدمة ورواه البخاري في توحيده وأحمد في مسنده ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن . سبق تخريجه . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 380 . ( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 3 . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 54 . ( 5 ) سورة هود ، الآية : 123 ك . ( 6 ) سورة الحديد ، الآية : 3 م . ( 7 ) ابن عربي ، ترجمان الأشواق ، تحقيق محمد عبد الرحمن نجم الدين الكردي ، القاهرة ، 1318 ه / 1968 م ، بيروت ، ص 169 .