سهيلة عبد الباعث الترجمان

397

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الوجود العيني إلا وجود المتحرّك لا غير ، وما هو عين الزمان ، فرجع محصول ذلك إلى أن الزمان أمر متوهم لا حقيقة له ، وإذا تحقيق هذا ، فاليوم المعقول المقدّر هو المعبر عنه بالزمان الموجود ، وبه تظهر الجمعات والشهور والسّنون والدهور " « 1 » ، وهذه كلها لا وجود حقيقي لها إنما هي نسب وإضافات ، والموجود الحقيقي هو عين الفلك والكوكب لا عين الوقت والزمان ، وكل هذه الأوقات مقدّرات فيها ، فليست هذه جميعها بحقائق ثابتة في حدّ ذاتها ، ولذا فهو يتجاوز ذلك إلى ما ينعت به الحق على الحقيقة من حيث قدمه فلا أولية له ولا آخرية إذ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ « 2 » فهو أزلي الوجود ، ولا يصدق هذا على أي موجود آخر لأنه موجود بإيجاد الحق له ، فلا يقال لأي موجود أنه وجد منذ الأزل ، ومن هنا فرّق ابن عربي بين الأزل والزمان ، فإن كان من نعوت الحق الأزل فإن الزمان من خصائص الإنسان لأنه الموصوف بوجوده في الزمان . وقد بيّن مدى ما بين مفهوم الأزل والزمان من تفاوت ، بما خص به الأزل من نعت إلهي ، عن الزمان الذي لا دور له لدى اللّه الحق . فيحدد معنى كل ذلك بقوله : " بعد أن علمت ما معنى الزمان والوقت فاعتبره - أي جزه واقطعه - إلى معرفة الأزل الذي تنعت به خالقك وتجعله له كالزمان لك ، وإذا كان الزمان لك بهذه النسبة أمرا نسبيا لا حقيقة له في عينه ، فالأزل أبعد وأبعد من أن يكون حدا لوجود اللّه في قولك وقول من قال إن اللّه تكلم في الأزل ، وقدّر في أزله كذا وكذا ، ويتوهم فيه أنه امتداد كما تتوهم امتداد الزمان في حقك ، فهذا من حكم الوهم لا من حكم العقل والنظر الصحيح ، فإن مدلول لفظة الأزل إنما هو عبارة عن نفي الأولية للّه تعالى ، أي لا أول لوجوده ، بل هو عين الأول سبحانه لا بأولية تحكم عليه فيكون تحت إحاطتها ومعلولا عنها ، وفرق بين ( ما يعطيه وهمك ) وبين ( ما يعطيه عقلك ) " « 3 » . وجملة القول أنه من المحال أن يتصف الناتج عن المعدوم بالأزل أو موجودا أزلا لأنه موجود عن موجد أوجده ، فيكون الأزل بذلك عبارة عن نفي الأولية عن الموصوف به ، وبهذا يجزم ابن عربي أن العالم ليس أزلي الوجود ، إذ أن وجوده

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 38 . ( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 3 م . ( 3 ) يحيى ( عثمان ) ، الفتوحات ، مرجع سابق ، ( ف 43 - 24 ) ، ص . ص 59 - 60 .