سهيلة عبد الباعث الترجمان

388

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الاكتفاء أو الاستغناء عن وجوده لأنه وفّى الألوهية حقها بإمكانه ، ولكن افتقار الممكنات وطلبها الوجود هو الذي أدّى إلى إخراجها من الثبوت إلى الوجود لتذوق حال الوجود كما ذاقت حال العدم ، ولهذا كان سؤالها بلسان ثبوتها لواجب الوجود أن يوجد أعيانها ليكون العلم لها ذوقا فكان وجودها لنفسها لا له ، فهو تعالى غنيّ عن العالمين . وقد نفى ابن عربي أن يكون وجود الأعيان دليلا على وجود الحق وفي هذا إظهار الغنى المطلق للحق ولذلك قال : " فهو الغني عن وجودها وعن أن يكون وجودها دليلا عليه وعلامة على ثبوته ، بل عدمها في الدلالة عليه كوجودها ، فأي شيء أرجح من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم باللّه ، فلهذا علمنا أن غناه سبحانه عن العالم أنه عين غناه عن وجود العالم " « 1 » ويصدق هذا القول في حق كل ممكن ، إذ أن له عينا ثابتة في الأزل ، فلا يظهر وجوده الخارجي إلا بمقتضاها . هذا هو القانون العام في تصوف ابن عربي فهو لا يحيد عنه ولا يتحول مهما اختلفت الأساليب التي يعبّر بها عنه ، فإذا قدّر لشيء ما أزلا أن يكون على نحو ما في الوجود ، وطلبت طبيعته الوجود على نحو ما قدّر لها في ثبوتها تحقق في الحال ، ويكون ذلك بسريان الحياة في الموجودات من اللّه تعالى ، وسريان العلم أيضا فيها ليكون الثناء منها على اللّه موجدها ولهذا قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ « 2 » فالموجودات جميعها هي المقصودة بالشيئية ، وهي التي قبلت شيئية الوجود على الحالة التي كان عليها في شيئية الثبوت . وهذا ما قرره ابن عربي حين أشار إلى هدا الوجود وللأعيان بأنها كانت على ما هي عليه في حال عدمها حينما قال : " وقد أعلمنا اللّه أنه خاطبها في حال عدمها بالنعوت التي لها في حال وجودها ، . . . وهو الصادق المخبر بحقائق الأشياء ، فما ظهرت أعيان الموجودات إلا بالحال التي كانت عليه في حال العدم ، فما استفادت إلا الوجود من حيث أعيانها ومن حيث ما به بقاؤها . . . فلا تزال الممكنات في حال عدمها ناظرة إلى الحق بما هي عليه من الأحوال ، لا يتبدل عليها حال حتى

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 403 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 44 ك .