سهيلة عبد الباعث الترجمان

375

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

اللّه في كينونة الحق الواجب الوجود لذاته ، فدوام الإيجاد للّه تعالى ، ودوام الانفعال للممكنات ، والممكنات هي العالم ، فلا يزال التكوين على الدوام ، وفي هذا خلاف مع الأشاعرة وما يستدلون به على حدوث العالم ، فهم وإن كانوا قد استدلوا على كل ما سوى اللّه بحدوث المتحيزات ، وحدوث أعراضها ، فإن ما يراه ابن عربي أن هذا لا يصح حتى يقيموا الدليل الكافي على حصر كل ما سوى اللّه تعالى فيما ذكروه ، على حين يسلم بحدوث ما ذكروا حدوثه ويوافقهم فيه موافقة كاملة « 1 » . ويستدل على هذا الخلاف والمباينة في الموقف بقول ابن عربي عن ارتباط العالم باللّه فيقول : " ارتباط العالم باللّه ارتباط ممكن بواجب ومصنوع بصانع فليس للعالم في الأزل مرتبة وجودية ، فإنها مرتبة الواجب بالذات ، فهو اللّه تعالى ولا شيء معه سواء كان العالم موجودا أو معدوما ، فمن توهم بين اللّه والعالم بونا بقدر ، وتقدم وجود الممكن فيه وتأخره فهو توهم باطل حقيقة له فلهذا نزعنا في الدلالة على حدوث العالم خلاف ما نزعت إليه الأشاعرة " « 2 » . وقد أيد الصدر القونوي موقف ابن عربي هذا وتابعه في رأيه ، ويذكر الشيخ الكوراني « * » ما جاء على لسان الصدر بحدوث كل ما سوى اللّه ، كل من وجوده منتج عن العدم فهو حادث لأن وجود الحادث مسبوق بالعدم سبقا حقيقيا لا يجامع المتقدم المتأخر فيكون حادثا زمانيا موهوما متأخرا وجوده عن أزل الحق تعالى ، كما أنه لا يلزم من ذلك أن يكون حادثا بالذات كما تزعم الفلاسفة ، إنما يرى أن العالم كله لطيفه وكثيفة حادث حدوثا مسبوقا وجوده بالعدم سبقا حقيقيا « 3 » . ويوضح ابن عربي ذلك عن طريق مثال حسي للدلالة على صدق مذهبه وذلك بنور الشمس وأشعتها ، فشعاع الشمس ونورها تابع لها ، فهو معلوم تابع في وجوده لوجود الشمس دون أن يتقدم عليه وجود الشمس تقدما زمانيا بحيث تكون الشمس موجودة ولا ضوء لها ، ثم يتبع ذلك بعده وحدة وجود الضوء حتى يتصور أن وجود الضوء تابع لوجودها

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 53 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 56 . ( * ) الكوراني : برهان الدين بن أدهم بن حسين بن شهاب الدين الكوراني السهروردي السهراني . ( 3 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، مصدر سابق ، ص 65 .