سهيلة عبد الباعث الترجمان

369

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

المحض الذي يحول دون خروج الإمكانات إلى الوجود الفعلي . وجريا على عادته لم يأخذ ابن عربي الفكرة على ظاهرها ، إنما أورد العديد من أفكاره حول الخلق من العدم كما جاء في مصنفاته المختلفة مثل قوله : " سبحان من أوجد من العدم موجودا باقيا ، وأبدع له علما يصير فيه فانيا ، وجعله من أول الإبداع مترقيا في العالمين دائما ساريا ، ينقله منه إلى عالم البقاء ثابتا " « 1 » . وقوله في رسالة الأنوار أيضا : " إعلم أن الناس قد خلقهم اللّه تعالى والمكلفين ، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ولم يزالوا مسافرين ، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار ، وكل جنة أو نار بحسب أهلها " « 2 » . ويذكر الشعراني في هذا الصدد ما قاله ابن عربي حول العدم : " إن العالم كله موجود عن عدم ، ووجوده مستفاد من موجد أوجده وهو اللّه تعالى ، فمحال أن يكون العالم أزلي الوجود لأن حقيقة الموجد أن يوجد ما لم يكن موصوفا عن نفسه بالوجود وهو المعدوم ، لا أنه يوجد ما كان موجودا أزلا فإن ذلك محال ، فالعالم كله قائم بغيره لا بنفسه " « 3 » . كذلك ما جاء في قوله : " إن للّه عناية بكل ما في الكونين ، وإخراج الشيء من العدم إلى الوجود برهان على أنه في منازل السعود " « 4 » . ولما كان العدم له الأسبقية على الوجود ، فتقدمه هذا له نعت نفسي يميزه عن الممكنات في حال عدمها ، إذ يستحيل عليها الوجود أزلا إلا بالأمر الإلهي فيقول : " . . . وكان تقدم العدم للممكنات نعتا نفسيا لأن الممكن يستحيل عليه الوجود أزلا فلم يبق إلا أن يكون أزلي العدم ، فتقدم العدم له نعت نفسي ، والممكنات متميزة الحقائق والصور في ذاتها لأن الحقائق تعطي ذلك ، فلما أراد اللّه أن يلبسها حالة الوجود وما ثمّ إلا اللّه وهو عين الوجود وهو الموجود ، ظهر تعالى للممكنات باستعدادات الممكنات وحقائقها فرأت نفسها بنفسها في وجود موجدها وهي على حالها من العدم ، فإن لها الإدراكات في حال عدمها كما أنها مدركة للمدرك لها في حال عدمها ، ولذا جاء في

--> ( 1 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، لوحة 35 ، ص أ . ( 2 ) ابن عربي ، رسالة الأنوار ، ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1948 م ، ص 3 . ( 3 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، ص 39 . ( 4 ) الشعراني ، الكبريت الأحمر ، ص 131 .