سهيلة عبد الباعث الترجمان
359
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الإيجاد . . . فالبدن قائم بالروح ، والروح أمر من أمور اللّه ، وكل شيء قائم بأمر اللّه ، فافتقار البشرية للروحانية حاصل على الدوام . فالكون كله قائم بأمر الربوبية ومظهر من مظاهرها لا قيام له بدونها " « 1 » . ويتفق هذا القول وما ذهب إليه أبو مدين أستاذ ابن عربي حين قال : الحق سبحانه مستبد ، والوجود مستمد ، والمادة في عين الجود ، فإذا انقطعت المادة انهدّ الوجود . ويفسر ابن عجيبة هذا القول بأن الحق مستبد أي قائم بنفسه ، وظهور تجلياته مستمد من باطن صفاته ، ومادة للأشياء كلها من عين الجود وهي نعمة الإيجاد والإمداد ، فإذا انقطعت المادة اضمحلت الأكوان ، فلو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته ، ففاقتك أي افتقارك أيها الإنسان لك ذاتية أي أصلية حقيقية . . إذ كل لحظة تفتقر إلى من يمدك بالوجود « 2 » فإلى أي حد يتفق ابن عربي في تحديده لمادة الإمداد مع القولين السابقين ؟ . الواقع أن ابن عربي متسق ومنطق مذهبه ، إذ يجعل من النور الإلهي مصدرا للإمداد ، ولظهور كل موجود ، ويتفق والحال هذه مع ابن عطاء اللّه الذي أقرّ بالنور الإلهي مصدرا لظهور كل موجود كذلك ، فإذا كان قول ابن عربي في هذا الصدد " بأن اللّه نور وبه الظهور " وقوله : " إنما اختصت الملائكة بالقوة لأنها نور ، وأقوى من النور فلا يكون لأن له الظهور وبه الظهور وكل شيء مفتقر إلى الظهور ، ولا ظهور له إلا بالنور في العالم الأعلى والأسفل لقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » . وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " أرأيت ربك فقال عليه السلام . . . نورانيّ أراه " « 4 » . ولما كان الظل لا يثبت النور والعالم ظل الحق ، والحق نور ، فلهذا يفنى العالم عن نفسه عند التجلي ، فإن التجلي نور « 5 » . ولكن ما الغاية من إمداد الخلق بهذا المدد الإلهي ؟ وما الأسباب الداعية إليه ؟ .
--> ( 1 ) ابن عجيبة ( أحمد بن محمد ) ، كتاب أيقاظ الهمم في شرح الحكم ، ص 144 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 146 . ( 3 ) سورة النور ، الآية : 35 ك . ( 4 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 5 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 613 .