سهيلة عبد الباعث الترجمان
357
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كما أنها في نفس الوقت تتوقف على القدرة والإرادة الإلهيتين يقول : " فقد أعطى العالم الإيجاد ، فهو يوجد بعضه بعضا إيجاد الآلات بيد الصانع ، ألا ترى أن الصانع بالآلة لا يصنع ما لم تكن الآلة ، وأن الآلة لا أثر لها في المصنوع ما لم يحركها الصانع ، فتوقفه عليها توقفه عليه ، فلا يقول له " كن " حتى يريد ، فهي إشارة ومن ذلك الشأن في الشأن . الشأن ما نحن فيه فهو يخلقه * وليس يخلق شيئا ليس يعلمه بذا أتانا كتاب اللّه يعلّمنا * فمن تفكر فيه فهو يعلمه « 1 » وجملة القول إن عملية الخلق عملية متكاملة مترابطة لا انفصام بين بعد من أبعادها ولا حد من حدودها . فهي عملية مستمرة لا تتوقف طالما أن الإرادة الإلهية متى أرادت وشاءت أن تحدث أمرا ما فإن القول " كن " يحدث ذلك الأمر بالمشيئة الإلهية . فيوجد العالم أو الخلق إيجاد شبح مسوّى لا روح فيه ، فيكون كالمرآة غير مجلوّة إلى أن ينفخ فيها الحق من روحه فيكون الخلق . وهكذا فالحق هو الخالق وهو النافخ ، والخلق هو المنفوخ فيه من روح اللّه ، وكل هذا لابد أن يكون بالمدد الإلهي ، إذ أن المدد الإلهي متعلق بأمر الخلق لما يضفيه عليه من القوة والثبات والتمكّن ، فما علاقة المدد الإلهي بأمر الخلق ؟ . - المدد الإلهي : لما كان افتقار الخلق إلى الحق قائم وحاجته إليه في إيجاده دائمة ، فإن الإمداد الإلهي للموجودات لا ينقطع ، فهو تعالى الممدّ لكل موجود بوجوده ، ولولاه لظل في حكم الغيب أو العدم ولم يظهر فيه حكم الوجود ، لهذا تظهر الاستمرارية في الخلق بإمداد الحق له دائما أبدا لأن وجوده أزلي أبدي ، وفي حال التقصير يكون ذلك من جانب القابل لا من جانب الممدّ . وقد يمتنع الإمداد من جانب الحق وذلك لحكمة أرادها لذلك القابل ، فهو سبحانه العالم بمصالح الخلق ، ولهذا نبّه ابن عربي إلى عدم التعيين في الطلب من الحق فقال : " ينبغي للعلماء باللّه أن لا يعينوا عند سؤالهم حاجة بعينها ، وليسألوا ما لهم فيه الخير من غير تعيين . فكم من سائل عيّن فلما قضيت حاجته
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 551 .