سهيلة عبد الباعث الترجمان

355

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الآخر " « 1 » . وينفرد ابن عربي في تحديد مفهومه للمشيئة بما يتفق ومنطق مذهبه مبينا حدودها في إطار البحث في الخلق والإيجاد ، فيرى " أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم اللّه عزّ وجل وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعا إذ لا ينفذ حكم إلّا اللّه في نفس الأمر لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو حكم المشيئة الإلهية لا علم حكم الشرع المقرر " « 2 » . فالمشيئة كما يراها " سلطانها عظيم ولهذا جعلها أبو طالب « * » - المكي - عرش الذات لأنها لذاتها تقتضي الحكم . فلا يقع في الوجود شيء ولا يرتفع خارجا عن المشيئة ، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا هو المسمى بالمعصية ، فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني . فما خالف اللّه أحد قط في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة ، فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة فافهم . وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر على يديه فيستحيل ألّا يكون . . . " « 3 » . فالمشيئة إذن بهذا المعنى وكما يراها أبو طالب المكي هي القوة الإلهية التي تقتضي بأن يكون كل ما في الوجود مما هو بالفعل أو بالقوة على النحو الذي هو عليه ، فهي في الحقيقة عين اللّه ، أو هي القوة الخالقة السارية في الوجود بأسره ، والظاهر في صور ما لا يحصى عدده من مظاهر الكون ، هي الحقيقة أو الشيء في ذاته أو المطلق في اصطلاح بعض المحدثين ، أما تسميتها بعرش الذات فراجعة إلى أنه بواسطتها تظهر الذات الإلهية في صورة العالم الخارجي الذي يطلق عليه الصوفية أحيانا اسم العرش . وقد ربط ابن عربي بين المشيئة والقدرة وعلاقتهما بالخلق على صورة ما من صور الارتباط بين الإيجاد والخروج من عالم الغيب ، ورؤيته للمشيئة على هذا النحو تظهر ما للقدرة من تعلق بالأمر الإلهي الذي يصدر عنه أمر الوجود للموجودات الممكنة ، وقد كشف عن دور العقل في إدراك الأمور على حقيقتها ، كذلك فعل التكوين

--> ( 1 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 147 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الداوودي ، ص 165 . ( * ) هو محمد بن علي ( ت ، عام 383 ، ببغداد ) ، وصاحب كتاب قوت القلوب . ( 3 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، الفص الداوودي ، ص 165 .