سهيلة عبد الباعث الترجمان
350
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يعمل إلا ما يشابهه في الشكل . وقد عمد إلى تأويل الآية بما يتفق وعقيدته فقال : " ذلك الذي ظهر منه يدل على أنه في نفسه عليه ، والعالم كله عمل اللّه ، فعمله على شاكلته ، فما في العالم شيء لا يكون في اللّه ، والعالم محصور في عشر لكمال صورته ، إذ كان موجودا على صورة موجده ، فجوهر العالم الذات الموجودة وعرض العالم لصفاته ، وزمانه لأزله ، ومكانه لاستوائه ، وكمّه لأسمائه وكيفه لرضاه وغضبه ، ووصفه لكلامه ، وإضافته لربوبيته ، وإن يفعل لإيجاده وإن ينفعل لإجابة ما سأله ، فعمل العامل على شاكلته " « 1 » . أما عن سرّ الجمال الذي انطبعت به صور الموجودات جميعها ، فذلك لكونه تعالى جميلا إذ أنه تسمى بالجمال الإلهي ، ووصف نفسه تعالى كما جاء على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم " إن اللّه جميل ويحب الجمال " « 2 » فما ثمّ إذن إلّا جمال يظهر بإظهار الحق تعالى له في صور الموجودات جميعها على حبه لها ، ولهذا نفى القبح عن الحق ووصفه بالجمال لما وصف به تعالى نفسه وبما أوجده فقال : " فما ثمّ إلا جمال ، فإن اللّه ما خلق العالم إلا على صورته ، وهو جميل ، فالعالم كله جميل ، وهو سبحانه يحب الجمال ، ومن أحب الجمال أحب الجميل ، ومن أحب الجميل أحب العالم " « 3 » . فالعالم كله جمال ذاتي وحسنه عين نفسه إذ صنعة صانعه عائدة عليه ، ولهذا هام فيه العارفون وتحقق بمحبته المحققون ، وقيل عنه أنه مرآة الحق ، فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق ، وهو سبحانه الجميل ، والجمال محبوب لذاته ، فهو المتجلي في كل وجه والمطلوب من كل آية ، والمنظور إليه بكل عين ، والمعبود في كل معبود « 4 » . وجملة القول إن العالم وجه من وجوه الحقيقة تنعكس عليه صور الحق ، وهو الوجه الأول منها ، فالحق والخلق ( العالم ) إذن وجهان لحقيقة واحدة إن بدت في
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 572 . ( 2 ) الحديث : رواه أحمد عن أبي ريحانة ، ومسلم والترمذي عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن أبي سعيد والطبراني عن أبي إمامة وابن عمر وجابر ، ( كشف الخفاء ، الجزء الأول ، ص 224 ) . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 715 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 670 .