سهيلة عبد الباعث الترجمان
340
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
المسوّاة لقبول الفيض ، التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال ، وما بقي إلا قابل ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ، فالأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه " وإليه يرجع الأمر كله " كما ابتدأ منه ، فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم " الإنسان الكبير " « 1 » . وجملة القول إن معنى الإيجاد يرتبط بالفيض ، إذ أن الإيجاد هو الجعل للموجود ، والجعل للموجود في الخارج مفاضا على الماهيات هو إخراج له عن حقيقته البرزخية ، أما الوجود عينه فهو مفاض من تجلي الوجود المطلق ويكون ذلك بإشراق نوره على الماهيات واقترانه بها ، ذلك أن اقتران النور بالماهيات في انبساطه عليها يتعين بتعينات مختلفة بحسب استعداداتها الغير مجعولة . وإذا كان أفلوطين يرى أن الوجود هو مبدأ الوجود وواحده ، وأنه كامل ، ولهذا كله فهو فيّاض ، وفيضه يحدث شيئا آخر ، وهو في هذا قريب مما قرره ابن عربي في مذهبه بأن العين واحدة وإن اختلفت الأحكام ، كما أن كل إنسان يعلم في نفسه أنه صورة الحق ، فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب المعلومة ، فأوجد الواحد العدد وفصّل العدد الواحد ، وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود « 2 » . وعليه يمكن القول بأن الواحد هو مصدر الوجود ، ومنه تمّ إنشاء الخلق ، كما أن العدد منشؤه الواحد أيضا ، والحال كذلك أن الخلق لم يوجد دفعة واحدة ، إنما نشأ عن الواحد الذي هو أصل الوجود ، وقد أشار ابن عربي إلى ذلك بقوله : " ألا ترى الحق سبحانه أول ما خلق القلم أو العقل كما قال " ما خلق إلا واحدا " ثم أنشأ الخلق من ذلك الواحد ، ثم يقبل الثاني لا من واجب الوجود ، ثم يقبل التضعيف والتركيب في المراتب فيتسع اتساعا عظيما إلى ما لا يتناهى " « 3 » . ويقترب ليبنتز من هذا المعنى في قوله بالفيض ، إذ يرى أن جميع الذرات المخلوقة تتوقف على اللّه الذي يحفظها ويوجدها
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 34 . ( 2 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، مرجع سابق ، ص 345 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 400 .