سهيلة عبد الباعث الترجمان
338
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
خالقه ، وأن الخلق الظاهر بصورة الحق أقل درجة من الحق في ذاته . ومما يظهرنا عليه ابن عربي في هذا المجال أنه لا يريد بالمخلوق على الصورة الإنسان الذي قال إن اللّه خلقه على صورته ، بل العالم الأكبر ، ورغم أن العالم صورة كاملة يتجلى فيها الحق بجميع كمالاته الأسمائية والصفاتية ، لا يزال في المرتبة لا في الحقيقة دون الحق ، متميزا عنه فإن الحق من حيث ذاته " واجب الوجود لذاته " فهو غني عن العالمين ، أي غني عن كل صلة وكل إضافة إلى الوجود الخارجي ، في حين أن العالم الذي هو ظل الحق مفتقر إليه في وجوده وفي كل صفة من صفاته التي يظهر بها ، فالغني له دائما الأولوية على الفقير ، كما أن له صفة الفاعلية ، وللمفتقر المفعولية ، وقد سبق لابن عربي أن قال : " إن المؤثّر بكل وجه وعلى كل حال وفي كل حضرة هو العالم " « 1 » . ب - الفيض الإلهي : لعل الفيوضات التي تكلم عنها ابن عربي ليست إلا تجليات لحقيقة واحدة في صور مختلفة ، في حين أنها في فلسفة أفلوطين سلسلة من الموجودات يفيض كل منها على الوجود السابق عليه ، ويتصل به اتصال المعلول بعلته ، وهو ما عرّفه الفارابي بالقول : إن الفيض هو العقل الصادر عن الفاعل إذ أن واجب الوجود هو مبدأ كل فيض ، ولكنه يرى أن الفيض إنما يستعمل في الباري تعالى وفي العقول لا غير « 2 » وهو ما ذهب إليه إخوان الصفا في بحثهم عن قضية الخلق ، ووجدوا أن الفيض هو وسيلة ذلك لا غير « 3 » . وكل هؤلاء متأثرين بالأفلاطونية المحدثة . لم يكن شأن ابن عربي في مقولته بالفيض شأن هؤلاء الفلاسفة ، فهو لم يعتقد ما اعتقدوه من أن الفيض سلسلة في الموجودات ، وأن كل ما فيها يصدر عن الفيض المتقدم عليه ويظهر كمالاته ، بل يقول بأن هذه الفيوضات إن هي إلا أسماء لجهات
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص . ص 9 - 10 . ( 2 ) الفارابي ، فصوص الحكم ، مكتبة الأوقاف العامة ببغداد ، مخطوط ص 28 . ( انظر حسين علي محفوظ وجعفر آل ياسين ، كتاب مؤلفات الفارابي ، بغداد ، وزارة الثقافة العامة ، 1395 ه / 1975 م ، ص 40 ) . ( 3 ) الدسوقي ( عمر ) ، أخوان الصفا ، دار إحياء الكتب العربية ، مصر ، ص 248 .