سهيلة عبد الباعث الترجمان

332

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أما التجلي فيستخدم عند المتصوفة ومعناه أن المخلوقات تصدر صدورا مباشرا إنها تجليات للذات الإلهية - تلغى فيها الواسطة بين اللّه والمخلوقات . ويتخذ ابن عربي نهجا خاصا في تحديده لمعنى الخلق ، فهو لم يتّبع الطريقة الأفلوطينية في جعل الموجودات يفيض بعضها عن البعض الآخر ، ولم يقل بالخلق من العدم وأن الموجود خلق من عدم بعد أن لم يكن ، وهو ما قال به تلامذته من بعده ومنهم عبد الكريم الجيلي ، ولم يقل بالصدور على طريقة إخوان الصفا ، بل نجده قد وضع لنا صورة أدق في تحديده لمعنى الخلق ، ذلك أن الخلق كما يراه ناتج عن افتقار الخلق إلى الحق في إيجاده على صورة ما من الصور ، فكان للحق في ذلك غاية في خلقه للخلق على هذه الصورة ، كما أن للخلق أيضا غاية في وجوده ، وبهذا تكون " المشيئة الإلهية " هي الفاعلة لكل أمر في مراد الحق ، فعمّت رحمته الخلق بإيجادهم ، وذلك بسريان الروح الإلهي في هذه الموجودات وتخلّلها فيها ، فأوجدها على صورة الحق وذلك بتجليه لها حسب أسمائه الحسنى . فلا بد والحالة هذه من أن نوضح دور المشيئة الإلهية وكذلك الإرادة الإلهية في عملية الخلق بما يتناسب ومنطق مذهبه في وحدة الوجود . لما كان الفقر هو الصفة التي تميز بها الخلق عن الحق ، بل لما كان الخلق مفتقرا في وجوده إلى الحق ، فإن هذا الإيجاد لدى ابن عربي لم يكن إيجادا من العدم ، بل إنه تجلّي الأسماء الإلهية التي فاضت على الموجودات بوجودها . ولقد درج غالبية الفلاسفة المتصوفين على معالجة القضايا الصوفية معالجة فلسفية ، فصوروا قضية الخلق تصويرا أبعدهم عن روح التصوف ، لاستعمالهم ألفاظا كالفيض والصدور والتجلي وما إليها من ألفاظ استعاروها من نظرية أفلوطين في الفيض « * » ، ولكن لما كان مذهب ابن عربي في مقدمة المذاهب الصوفية في الإسلام فهو يحمل طابع وحدة

--> ( * ) الفيض عند أفلوطين : أول ما فاض عن الواحد هو العقل الأول ثم توالت الفيوضات في نظام تنازلي حتى انتهى الأمر بالعقل الفعال آخر العقول ومبدأ الحياة الناطقة في كل ما يحتوي عليه فلك ما تحت فلك القمر . ( أنظر أبو العلا عفيفي ، التعليقات على الفصوص ، ص 178 ) .