سهيلة عبد الباعث الترجمان

24

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

طلب إلى والده مشاهدته ابتغاء دراسة الحالة النفسية التي اعترته ولا يمكن تفسيرها . ويخبرنا ابن عربي عن هذا اللقاء فيقول : " دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد ، وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح اللّه به عليّ في خلوتي ، وكان يظهر التعجب مما سمع . . . فلما دخلت عليه قام من مكانه . . . فعانقني وقال لي : " نعم " فقلت له " نعم " فزاد فرحه لفهمي عنه ، ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له " لا " ، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي ؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ فقلت له : " نعم ولا " وبين نعم ولا تطير أرواح من موادها والأعناق من أجسادها ، فاصفر لونه . . . وقعد يحوقل وعرف ما أشرت إليه فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي ، فشكر اللّه تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا ، وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة ، وقال : هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا . فالحمد للّه الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين مغاليق أبوابها ، والحمد للّه الذي خصّني برؤيته . . . " « 1 » ومما لا شك فيه أن عبارة ابن رشد هي إعلان صريح وشهادة قوية محقّة في حق ابن عربي والاعتراف له بعلو شأنه ورفعة مقامه في ما ناله من علم وهبي « * » لا دور

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 199 . ( * ) العلم الوهبي ، قيل في العلم على هذا التقسيم " إنما وهب باعتبار وكسب باعتبار " والعلم الوهبي الذي لا يدخله كسب بوجه من الوجوه ، وهو العلم العزيز المقدار ( لأنه لا يوهب إلا من رضي اللّه عنه ) هو ما أدت إليه الجبلة الطاهرة الأصل والنشأة عندما ترددت في عالم الانتقالات في الأطوار ( التنزلات الليلية في الأحكام الإلهية ص 19 ) . ويختلف الوهب عن الكسب فإن الكسب تعلق إرادة الممكن بفعل ما دون غيره فيوجده الاقتدار الإلهي عند هذا التعلق ، فسمي ذلك كسبا للممكن ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 42 ) ، والمعرفة المكتسبة تقوم على النظر والاستدلال ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 162 ) . ويقول ، وأعني بالاكتساب ما حصل بالنظر ، فإذا نسب الاكتساب إلى التصور الذي هو معرفة المفرد فليس ذلك إلا في اللفظ لا من جهة المعنى وإنما تسمع لفظا يدلّ على معنى فيسأل عنه فيكتسب أن ذلك اللفظ موضوع لذلك المعنى المعلوم عنده وليس إلا . ( كتاب المسائل لابن عربي ، مجموع الرسائل ، ص . ص 30 - 31 ) .