سهيلة عبد الباعث الترجمان
318
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الفيض عند فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا . فأعيان الممكنات هي صور ومجالي للذات الإلهية الواحدة ، وكل اسم من الأسماء الإلهية إنما هي بالنسبة إلى صور الموجودات التي يتجلى فيها كالمرآة بالنسبة للصور الظاهرة فيها ، فهذه إذن كثرة تصدر عن الواحد ولا تنحصر في واحد . يقول : " بأن الشيء الواحد العين إذا ظهرت عنه الآثار المختلفة فإن ذلك من حيث القوابل لا من حيث عينه " فإذا حققت هذه المسألة فإنه يبطل قول الحكيم : لا يصدر عن الواحد إلا واحد . يقول : فالعين واحدة ، والحكم مختلف * ويدرك العلم ما لا يدرك البصر « 1 » فالواحد إذن هو مصدر كل كثرة ، وعنه تظهر أعيان العدد كالاثنين والثلاث والأربعة ، ولا ظهور إلا بظهور الواحد ، فلا غنى للكثرة عن الواحد على حين أن الواحد له الغنى المطلق . أما أهل الكشف فقد خصهم اللّه بمعرفة ، تنكشف لهم فيها الحقيقة : " وأما أهل الكشف فإنهم يرون أن اللّه يتجلى في كل نفس ، ولا يكرّر التجلّي ، ويرون أيضا شهودا أن كل تجل يعطي خلقا جديدا ، ويذهب بخلق ، فذهابه هو عين الفناء عند التجلي والبقاء لما يعطيه التجلّي الآخر فافهم " « 2 » . وهكذا يبرز ابن عربي هذا الجانب من مذهبه في وحدة الوجود فجعل فكرة الوحدة والكثرة تعبر عن مذهبه بصورة كاملة ، فكلامه بلسان الظاهر والعقل يتحدث فيه عن كثرة في الوجود ، وهذه الكثرة ليست إلا وجها من وجهي الحقيقة الوجودية أما الوجه الآخر فهو الوحدة . والوجه الأول هو ما يسميه خلقا ، أما الثاني وهو باطن الوجود فيسميه حقا ، والحق والخلق إسمان لمسمى واحد منظور إليه باعتبارين مختلفين . وبعبارة أخرى فالموجودات الخارجية ليست إلا صورا أو تعينات أو مجالي الوجود الواحد الذي هو وجود الحق . وقد سبقه ابن سينا في إلهياته إلى نفي التكثر عن الذات الإلهية مع الإشارة إلى وجود نسب وإضافات إليها وقد أشار إلى ذلك بقوله : " إذا قلنا بل بيّنا أن واجب الوجود لا يتكثّر بوجه من الوجوه ، وأن ذاته وحداني صرف محض فلا نعني بذلك أنه أيضا لا تسلب عنه وجودات ولا تقع له إضافة إلى وجودات
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 602 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 126 .