سهيلة عبد الباعث الترجمان
309
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إذن فإن ابن عربي يواجه فكرة الكثرة في الوجود ، وهي كثرة تشهد بها الحواس ، ويحاول العقل تفسيرها على أنها صور ومجال تتجلى فيها الصفات الإلهية التي هي عين الذات ، أو أنها أوهام اخترعها العقل بأدواته ومقولاته « 1 » وهذا عين ما أشار إليه الغزالي برؤية التعدد والتكثر في الوجود لدى الحواس والمدارك البشرية ، حيث أن الناس يرون الوجود فيه على ما هو عليه في حواسهم ومدركاتهم وجودا متعددا متكثرا . ويحاول ابن عربي أن يفسّر هذه الكثرة بضرب من التمثيل والتشبيه بما يقبله العقل وتدركه العين ، تفسيرا يدرك بالفطرة بما يقرّب معنى هذه الكثرة الموهومة فيقول : " الشخص وإن كان واحدا فلا تقل له ظل واحد ولا صورة في المرآة . فعلى عدد ما يقابله من الأنوار يظهر للشخص ظلالات ، وعلى عدد المرائي تظهر له صور ، فهو واحد من حيث ذاته ، متكثر من حيث تجلّيه في الصور وظلالاته في الأنوار ، فهي المتعددة لا هو ، وليست الصورة غيره " « 2 » . ففي هذا التشبيه نراه يمعن في المادية رغم اعتماده الكشف . ولكن هذه الكثرة فيما يبدو مغايرة تماما في معناها بين الحق والخلق ، فكثرة العبد تبدو في أجزائه المتعددة ، فهو كثير في واحد ، بينما وحدة الرب متكثرة بالأسماء التي تتجلى فيها ، فالإنسان إذن وإن بدا واحدا فهو كثير وما هو أحدي العين ، على حين أن الحق تعالى أحدي العين كثير بالأسماء الإلهية ، ويستدل من هذا على أن هذه الوحدة في الكثرة ، وهذه الكثرة في الوحدة دليل مذهبه حيث تنمحي كل كثرة في الوحدة وتتحقق وحدة الاثنين ، فينمحي كل أثر بين الواحد والكثير ، أي بين الحق والخلق « 3 » . وعليه ، فإن الكثرة في وجود الحق ليست سوى مظاهر وتعينات أسمائه في الخارج وهي مهما تعددت فهو أحديّ العين من حيث ذاته لا تمازجه كثرة بأي صورة
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، ط أولى ، دار المعارف ، مصر ، 1963 ، ص 190 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ، ص 31 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص اليونسي ، ص 169 . ( انظر أبو العلا عفيفي ، التعليقات على الفصوص ، ص 232 ) .