سهيلة عبد الباعث الترجمان
293
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ويذهب بالي أفندي مذهبا آخر في شرحه لهذه الفكرة عند ابن عربي ، فيرى في قوله : " كل بالأسماء " أي كل مجموعي ، يجمع الأسماء والصفات ، فكان لمسمى اللّه أحديتان ، الذاتية والأسمائية ، تسمى الأول بمقام جمع الأسماء ، والثانية بالأحدية الإلهية « 1 » . وعليه ، فلا يمكن أن يكون لأحد من الموجودات في الأحدية الإلهية الجمعية قدم أي وجود كما يرى بالي . وأما قوله : " ولا يأخذه أحد من حيث أحديته ، ولهذا منع أهل اللّه التجلي في الأحدية . . . " فيحاول القاشاني شرحه وإبراز مقصده من ذلك : أي منع التجلي في الأحدية ذلك أن الأحدية الذاتية هي بعينها كل بالأسماء ، فلا يسعها إلا الكل ، ولا تتجلى بذاتها إلا لذاتها « 2 » . ويذهب أبو العلا عفيفي في مفهومه لعدم التجلي هذا بأن كل ما هو موجود في عالم الظواهر إنما هو مجلى أو مظهر للواحد الحق ، أي إنه صورة جزئية للكل المطلق ، ولذا لا يقال في أي موجود إنه الحق إطلاقا ، وإنما يقال إن الحق تجلى فيه في صورة من صوره التي لا تحصى « 3 » . أما الأحدية الذاتية فلا يقع فيها التجلي أبدا ، أي أن الحق لا يظهر بأحديته في أي شيء بل إنه من التناقض أن نقول : إنني شاهدت الحق في أحديته ، لأن المشاهدة نسبية بين طرفين : مشاهد ومشاهد ، وهذه النسبة تتنافى مع الوحدة ، فما دام للأنا وجود فالإثنينية - لا الواحدية - موجودة ولهذا كله ينكر ابن عربي إدراك الوحدة الوجودية في هذا العالم ، ويرى أنه من الحمق القول أن العبد في حال الفناء يصير حقا ، لأنه لا صيرورة في مذهبه ، إذ الصيرورة تقتضي الإثنينية ، والإثنينية تناقض الوحدة « 4 » . ويعقب ابن عربي على ذلك باستحالة تجلي الحق في الأحدية بما لا مزيد عليه في العبارة حيث يقول : " فإنك إن نظرته به فهو الناظر نفسه فما زال ناظرا نفسه بنفسه ، وإن نظرته بك فزالت الأحدية بك ، وإن نظرته به وبك فزالت الأحدية أيضا . . . فلا بد من وجود نسبة ما اقتضت أمرين ناظرا ومنظورا ،
--> ( 1 ) بالي أفندي ، شرح المواضع الخفية لفصوص الحكم ، مصدر سابق ، ص 93 . ( 2 ) القاشاني ، شرح على فصوص الحكم ، ص 865 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على فصوص الحكم ، ص . ص 88 - 89 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص . ص 88 - 89 .