سهيلة عبد الباعث الترجمان
287
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الذات وتعلقاتها أيضا ، " فهي من حيث توجهها على جميع الممكنات تسمّى إلها لمعنى يسمّى ألوهية ، وتعلقها بنفسها وبجميع حقائقها المحققات على ما المحقّ عليه وجودا ، وتعلقها بالممكنات من حيث ما هي الممكنات عليه يسمّى اختيارا ، وتعلقها بالممكن من حيث سبق العلم قبل كون المكون يسمى مشيئة ، كذلك تعلقها بإيجاد الكون يسمى قدرة ، وتعلقها بالأحكام قبل وقوعها يسمى قضاء ، أما تعلقها بوقت وقوع الحكم فإنه يسمى قدرا ، ولكن مهما تعددت متعلقات الذات فإن العين في ذلك كله واحدة بعدد التعلقات بحقائق المتعلقات والأسماء للمسميات " « 1 » . فالذات إذن هي واحدة لا تعدد فيها ، إنما التعدد في النسب والإضافات التي تضاف إليها فتعرف بها ، لذلك يؤكد على عدم التعدد في الغيب الذاتي ومن ثمّ نجده يقول : " ليس في الغيب الذاتي الإلهي تعدد ولا تعيّن وجودي " « 2 » . فالحق إذن واحد في ذاته مهما تعددت الصور والموجودات ، وقد أشار ابن عربي إلى وحدانية الحق في ذاته وقبوله للصور فقال " الحق هو واحد في ذاته يقبل الصور ، والحدّ للصور لا للجوهر ، والجوهر لا يستحيل ، والصورة لا تستحيل أخرى لكن تستحيل في نفسها أي تذهب " « 3 » . ويوضح النابلسي هذه الإشارة في تحديده لهوية الذات التي أفرد لها الوحدانية والقدم والخلوّ من كل مادة ، بل جعلها ذاتا مطلقة يقوم بها كل موجود لافتقاره إليها بقوله : " إن الوجود ذات قديمة أزلية قائمة بنفسها ، غريبة عن المادة والخيالية والحسيّة والطبيعية والروحانية وغير ذلك ، فهي مجردة عن المادة مطلقا ، يفتقر إليها كل شيء حتى يصير موجودا ، أي متصف بالوجود ، وإنما افتقار كل شيء إلى الوجود باعتبار الشيء نفسه ، وفي أحواله التي هو عليها بكونه ممكنا مقدّرا بتقدير اللّه تعالى له ، فالوجود وحده هو ذات اللّه سبحانه وتعالى وصفاته وأسماؤه لا غير ، وجميع الأشياء قائمة بهذا الوجود الواحد الحق وهو قوله عز وجل : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ( الرسائل ) ، الجزء الثاني ، ص . ص 34 - 35 . ( 2 ) ابن عربي ، رسالة إلى الشيخ الإمام الرازي ، ص . ص 12 - 13 . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ( الرسائل ) ، الجزء الثاني ، ص 31 .