سهيلة عبد الباعث الترجمان

285

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

آخرها ، وكلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق " الحمد للّه " فرجعت إليه عواقب الثناء من كل حامد ومحمود وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ « 1 » فعمّ ما ذمّ وما حمد ، وما ثمّ إلا محمود ومذموم " « 2 » ، لذلك ليس بالإمكان تجريد الذات الإلهية من النسب والإضافات ، لأن وجود الحق متعينا في هذه النسب والإضافات المعبّر عنها بالصفات فيقول : " ثم إن الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلها ، وهذه النسب أحدثتها أعياننا ، فنحن جعلناه بألوهيته إلها ، فلا يعرف حتى نعرف ، قال عليه السلام " من عرف نفسه عرف ربه " وهو أعلم الخلق باللّه ، فإن بعض الحكماء وأبا حامد « * » ادّعو أنه يعرف اللّه من غير نظر في العالم ، وهذا غلط ، نعم تعرف ذات قديمة أزلية ، لا يعرف أنها إله حتى يعرف المألوه ، فهو الدليل عليه " « 3 » . وكون ابن عربي صوفيا يعتمد طريق الكشف في معرفته للحق ، ولا يرى سبيلا إلى ذلك بطريق العقل ، فإنه يرى أن حقيقة الذات لا تعرف إلا بالذات ، وأن الأعيان الثابتة في علمه تعالى هي عين الدليل على هذه الحقيقة الذاتية للذات الإلهية ، وقد يكون هذا الكشف على مراحل ينكشف في كل منها حقيقة من الحقائق التي عمت على الأذهان وغابت عنها ، فيصل بذلك إلى تثبيت حقيقة هذه الذات ، ومن ثم يقول : " ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته ، وأن العالم ليس إلّا تجلّيه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه ، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها ، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا ، ثم يأتي الكشف الآخر ، فيظهر لك صورنا فيه ، فيظهر بعضنا لبعض في الحق ، فيعرف بعضنا بعضا ، ويتميز بعضنا عن بعض " « 4 » . وقد شرح القاشاني قول ابن عربي فرأى أن الذات لا تثبت لها الصفات والنسب الأسمائية إلا بثبوت الأعيان ، فإن الصفات نسب ، والنسب لا تثبت بدون المنتسبين ، فالإلهية لا تثبت إلا بالمألوهية ،

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية : 123 ك . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الإبراهيمي ، ص . ص 80 - 81 . ( * ) يقصد الإمام الغزالي ، المتوفي سنة 505 ه . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 81 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص . ص 81 - 82 .