سهيلة عبد الباعث الترجمان
271
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الأعيان ، فإن مذهب ابن عربي مذهب روحي يحل الألوهية في المحل الأول ، ويعتبر اللّه الحقيقة الأزلية والوجود المطلق الواجب الذي هو أصل كل ما كان وما هو كائن وما سيكون ، فهو مذهب صريح في الاعتراف بوجود اللّه ، واللّه هو الجامع لكل شيء في نفسه ، الحاوي لكل موجود ، الظاهر بصورة كل موجود « 1 » . فإذا كانت هذه طبيعة الوجود المطلق ، فما هي مرتبته الخاصة به وكيف تتميز عن الموجودات في مراتبها المختلفة ؟ - مراتب الوجود : حدد ابن عربي رؤيته للأشياء من خلال مراتبها ففرّق بذلك بين " مطلق ومقيد " إذ أن كل شيء له مرتبته المميزة عن سائر الأشياء ، فلا مزج بينها ولا خلط ، إنما يوجد بينها علاقة إما تصاعدية أو تنازلية تبين مدى تقدم رتبتها أو تأخرها بعضها عن بعض ، ومدى ارتباطها بعضها مع البعض الآخر ، وقد بين ذلك في معرض حديثه فقال : " إن الأشياء على ثلاث مراتب لا رابع لها ، والعلم لا يتعلق بسواها ، وما عداها فعدم محض ، لا يعلم ولا يجهل ولا هو متعلق بشيء ، فإذا فهمت هذا فنقول إن هذه الأشياء الثلاثة منها ما يتصف بالوجود لذاته ، فهو موجود بذاته في عينه ، لا يصح أن يكون وجوده عن عدم ، بل هو مطلق الوجود لا عن شيء ، بل هو الموجد لجميع الأشياء وخالقها ومقدّرها ومفصّلها ومدبّرها ، وهو الوجود المطلق الذي لا يتقيد سبحانه وهو اللّه الحي القيوم . . . ومنها " موجود باللّه تعالى " وهو الوجود المقيّد ، المعبر عنه بالعالم ، العرش والكرسي والسماوات العلى وما فيها من العالم . . . وغير ذلك من العالم ، فإنه لم يكن موجودا في عينه ثم كان من غير أن يكون بينه وبين موجده زمان يتقدم به عليه فيتأخر ، وإنما هو متقدم بالوجود كتقدم أمس على اليوم . . . " « 2 » . بعد هذا التمييز للأشياء فلا بد من تحديد مراتبها ، فابن عربي يقرر للوجود مرتبة خاصة به ، مميزة له عن كل موجود سواه ، فيعرف بها ، إذ لا يمكن للألوهية
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، تعليقات عن الفصوص ، مرجع سابق ، ص . ص 26 - 27 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب إنشاء الدوائر ، ص . ص 15 - 16 .