سهيلة عبد الباعث الترجمان

266

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الواقع أنه لا بد من معرفة مدلول هذه الفكرة كي نتمكن من التمييز بينهما ، فعلى حين يقول ابن عربي بأن اللّه وجود مطلق فإنه يرمي من ذلك إلى معنى أن اللّه تعالى ليس بعلة ، يعني ليس موجبا ، نرى الفريق الآخر وهم من وصفهم البرزنجي بالملاحدة يرون أن معناه " أنه وجود عام في المعقولات الثابتة " فيكون المعنى الأول إيمان صريح والثاني كفر صريح « 1 » وقد أدرك ابن عربي هذا الالتباس فأطلعنا في فتوحاته على صيغة أخرى " للوجود المطلق " يحدد فيها مفهومه ويوضح مدلوله فينفي عنه تعالى أن يكون معلوم الذات ، ولا يشبهه شيء ، ولا يشبه هو شيئا ، فحقيقة فهمه بعيدة المنال ، لا تدركه العقول ولا تحيط به الأذهان فقال فيه : " الحق تعالى وهو الموصوف " بالوجود المطلق " لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء ولا علة بل هو موجود بذاته ، والعلم به عبارة عن العلم بوجوده ، ووجوده ليس غير ذاته ، مع أنه غير معلوم الذات ، لكن يعلم بما هو عليه من صفات المعاني ، وهي صفات الكمال به ، وأما العلم بحقيقة ذاته ممنوع ، لا يعلم بدليل ولا ببرهان عقلي ، ولا يأخذهما حدّ ، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، فكيف يعرف من يشبه الأشياء وتشبهه ولا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا ، فمعرفتك به إنما هي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . أما الماهية ، فلا يجوز ذلك عليه ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ « 2 » . وقد ورد المنع في الشرع عن التفكير في ذات اللّه " « 3 » . وفي هذا إبطال لقول المعترضين على فكرة الوجود المطلق الذين لم يفهموا الفرق بين الإطلاقين ، ذلك أنهم فهموا أن الوجود المطلق مفهوم كلي لا وجود له في الخارج ، والواقع أن الواجب تعالى موجود في الخارج ، وهو واحد حقيقي لا تكثّر فيه ، إنما رأوا فيه أنه واحد بشخص موجود بوجود هو نفسه ، وإنما التكثر في الموجودات بواسطة الإضافات لا بواسطة تكثر وجوداتها ، فإن الوجود إذا نسب إلى الإنسان حصل موجود ، وإذا نسب إلى الفرس فموجود آخر ، وعلى هذا القياس وهذا الجواب احتراز منهم عن شناعة التصريح بأن الواجب ليس

--> ( 1 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، مصدر سابق ، ص 342 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 28 م . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 153 .