سهيلة عبد الباعث الترجمان
259
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يكون هو محلا لها ، فقد سمع العبد بمن لم يقم به ، وأبصر بمن لم يقم به ، فكان الحق سمعه وبصره ويده « 1 » . وللاتحاد الصوفي معنى آخر لدى ابن عربي ، فهو وإن كان يرفض الاتحاد الذي يصيّر الذاتان ذاتا واحدة لأنه من المحال ، فإن كان عين كل واحد منهما موجودا في حال الاتحاد فهما ذاتان ، وإن عدمت العين الواحدة وعدمت الأخرى ، فليس للأول حد ، لكن الاتحاد الصوفي كما يراه هو عبارة عن حصول العبد في مقام الانفعال عنه بهمته وتوجه إرادته لا بمباشرة ولا معالجة ، فبظهوره بصفة هي للحق تعالى حقيقة تسمى اتحادا لظهور الحق في صورة عبد وظهور عبد في صورة حق « 2 » . وهكذا يمكن القول بأن الاتحاد والحلول لا وجود لهما في تصوف ابن عربي بالمعنى الذي قارعه فيه الفقهاء وأهل الرسوم ، وليس من سبيل إلى إثبات ذلك طالما أننا نجد أن ابن عربي نفسه ينفي ذلك ، بل يرفضه رفضا تاما ، وهو لم يحل اللّه في الموجودات ، ولم يقل بأن الجزء الإلهي قد حل فيها ، بل إنه ينهي عن القول بهذا الأمر ، ودليله في ذلك قوله : " فما في أحد من اللّه شيء وما في أحد من سوى نفسه شيء ، وإن تنوعت عليه الصور ، وما كل أحد يعرف هذا ، وأن الأمر على ذلك إلّا آحاد من أهل اللّه ، فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه ، فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل اللّه تعالى ، فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف ، ما لم يكن قبل ذلك في يده ، فتلك الصورة عينه لا غيره ، فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه " « 3 » . وقد حاول ابن عربي نفي الحلول عن الحق ، يتضح ذلك في قوله : " أنه تعالى لم يحدث بابتداعه العالم في ذاته حادث " وكذلك قوله في عقيدته " الصغرى : " تعالى الحق تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها " وأيضا قوله في عقيدته الوسطى : " إعلم أن اللّه تعالى واحد بإجماع ، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل هو في شيء أو يتحد
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 811 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، الجزء الثاني ، ص 29 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص . ص 66 - 67 .