سهيلة عبد الباعث الترجمان

250

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العلم المحيط الحاوي على جميع المعلومات . . وما بقي إلا أن يكون المخبر به صادقا عند السامعين له معصوما " « 1 » ، بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك فصورّ لنا شخصية العالم الكامل من أهل الطريق الذي لا ينكر علما من العلوم بل يجمع بين ظاهر العلوم وبواطنها ويأخذ بها جميعها لتكاملها في المعرفة الربانية فقال : " إن العالم عند اللّه من علم علم الظاهر والباطن ، ومن لم يجمع بينهما فليس بعالم خصوصي ولا مصطفى ، وسبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله بما يخالف علمه ، فكل من ادّعى علما وعمل بخلافه في الحال الذي يجب عليه عقلا وشرعا العمل به فليس بعالم ولا ظاهر بصورة عالم . . . " « 2 » . ويفرق الشعراني بين علم الباطن الذي سمّي به الصوفية من باب التسمية نسبة إلى الباطنية ، وهي من الفرق الحلولية ، وبين علم الباطن بمعناه الصوفي كما ذهب إليه ابن عربي فيقول : " إذ الباطن إنما هو علم اللّه تعالى ، وأما جميع ما علم الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق فأعلم . . . وعلى ذلك يقال في تسميته بعلم الباطن مجرد اصطلاح لأنه باطن بالنسبة إلى كثير من الناس ، والعلم الواحد قد يكون ظاهرا عند قوم وباطنا عند آخرين كعلم النحو . . . لكن لما كان علم القوم خفيّا على الأكثر ، كان أحرى بهذا الاسم عن غيره إذا تحققت ذلك ، فاعلم أن ما يسمى بالعلم الباطن عند البعض لا يخالف العلم الظاهر ، فلا يحلل ما حرمه ، ولا يحرّم ما يحلله كما يزعم كثير من الجهلة " « 3 » . لذا فقد حرص ابن عربي على ربط تصوفه بالشرع ، وجعل ظاهره وباطنه متّفقا في أحكامه ، فتتحقق بذلك السعادة عند العلماء باللّه إذ أنه يعتبر أن سعادتهم هي في الجمع بين الأمرين وأن غاية هذه السعادة هي معرفة الحقائق في ظواهرها وبواطنها ، وهذا خير دليل ينفي عن ابن عربي انتمائه إلى الفرق الباطنية الملحدة ، لأنه

--> ( 1 ) مؤنس ( حسين ) ، تاريخ الفكر الإسلامي في الأندلس ، ط أولى ، مصر ، 1955 ، ص 384 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 320 . ( 3 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة ، مخطوط ، مكتبة خاصة ، ص 237 .